وهنا نلاحظ أنّ الله عزّ وجلّ لم يأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - صراحةً بالصبر والحلم والصفح وسعة الصدر، وتحمّل الأذى من قومه، ومتابعة قيامه بوظائف رسالته، وإنّما ألمح له إلى ذلك إلماحًا، بالثناء عليه بما هو عليه من الخلقٍ العظيم، الذي هو عنوان شخصيّته، وحقيقة معدنه، وقاعدة حياته ..
ـ والوقفة الخامسة: وإذا كان لابدّ لنا من استجلاء أهمّ جوانب عظمة الأخلاق النبويّة، فإنّ أهمّها في اجتهادي أربعة جوانب، وكلّ جانب منها يحتاج أن يفرد بالبحث والدراسة، وأقتصر في الحديث عنها هنا على الإشارة العابرة الموجزة:
الجانب الأوّل: شمول أخلاقه لما جاء في القرآن الكريم، وما اشتمل عليه التشريع الحكيم.
والجانب الثاني: شمول أخلاقه لكمالات من سبقه من الأنبياء والمرسلين.
والجانب الثالث: كمالات أخلاقه لا تتناهى.
والجانب الرابع: شمول أخلاقه العظيمة لجميع الظروف والأحوال التي مرّ بها، وقد قدّمت سيرته العطرة مئات البراهين على ذلك، وهي في الوقت نفسه تقدّم للمؤمنين به المثل الإنسانيّ الأعلى للتأسيّ والاقتداء ..
ويترتّب على هذه الجوانب أنّ هذه الآية الكريمة تتحدّى الثقلين أن يأتي أحد بمثل أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -، فهل عرفوا أحدًا كمثله.؟!
فلا عجب بعد ذلك أن جعله الله تعالى أُسْوَةً حَسَنَةً للمؤمنين، وحثّهم على التأسّي به، فقال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } الأحزاب، فانظر كيف