وفي ذكر رجاء اليوم الآخر ما يكْفي ويغني عن التخويف من سخط الله وعذابه، ويحقّق الاكتفاء الذي حَسُنَ أيّما حُسنٍ في هذا المقام.
ـ وأمّا الشرط الثاني في هذه الآية وهو قوله تعالى: {وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } فإنّ حقيقة ذكر الله تعالى أن يعيش الإنسان حياته العامّة والخاصّة، يذكر الله ولا ينساه، ويستشعر قرب الله تعالى في كلّ موقف ورحمته، ويأنس بالله سبحانه، ويشهد عظمته ..
والذكر في مفهومه الصحيح يعني معاني كبيرة، وحقائق كثيرة، أقلّها حركة اللسان، وهو ما يَظنّه كثيرٌ من المسلمين اليوم أعلاها وأجلّها .. فيقف عند حركة اللسان العامّة والبسطاء، ويزهد فيها من هم أعلى فكرًا وثقافة، لما يرون من قلّة جدواها في حياة هؤلاء، وضعف أثرها .. وأعلاها أن يكون حاضر القلب مع ربّه، يذكر الله عند كلّ شأن كبر أو صغر، ويراقب الله في كلّ حركة أو سكون، وفي السرّ والعلن ..
والذكر الحقّ حصنٌ للنفس حصينٌ، من سطوة الأهواء وهيجانها، وهو زاد الروح، وقوت القلب، وسلاح المؤمن الماضي في مواجهة الشيطان ووساوسه ..
وهو غذاءٌ للروح، وعلاج لها من عللها وأدوائها، ولا علاج لها منها على الحقيقة سواه [1] .
(1) ـ وقد ذكر الإمام ابن القيّم رحمه الله أكثر من مئة فائدة لذكر الله تعالى في كتابه النفيس:"الوابل الصيّب من الكلم الطيّب"عدّدها ودلّل عليها من ص 57 ـ 133 فارجع إليه واعقد همّتك على أن تكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، والله يتولاّنا وإيّاك بهدايته ورضاه.