والمطالبة بالدين واستيفاؤه حقّ وحسن، ولكنّ الأحسن منه إنظار المدين المعسر، والعفو عن شيء من دينه، والتخفيف عنه ما أمكن: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) } البقرة.
وكثير من الأحكام المشروعة التي لا حرج فيها ولا تثريب، وقد توصف بأنّها مندوبة في بعض الأحيان، ولكنّها لا توصف بأنّها حسنة أو أنّها الأحسن في بابها .. وبخاصّة عندما يكون في فعلها تفويت ما هو أرجح منها من المصالح وآكد، أو يكون في فعلها مفاسد متحقّقة غير موهومة .. والمؤمن العاقل لا ينظر إلى الأحكام الشرعيّة نظرة تجزيئيّة، محدودة قاصرة، فهذا شأن من لا فقه عنده بدينه، وهذا النظر يفسد أكثر ممّا يصلح، ويجرّ على صاحبه الابتلاء، وعلى الآخرين الفتنة، وقد يظنّ أنّه يحسن صنعًا.
وإنّ آية الأسوة لتتحدّى: ولو نظرنا إلى هذه الآية من زاوية أخرى لرأينا أنّها وهي تقدّم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أسوةً حسنةً، هي الأحسن للمؤمنين والمؤمنات في كلّ شأن من شئون الحياة تحمل بذلك معنى التحدّي للناس كافّة أن يفتّشوا حياة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الخاصّة والعامّة، وفي جميع أحواله: في حالات الرضا والغضب، والحرب والسلم، واليسر والعسر، والأمن الخوف .. وغير ذلك ممّا يعتري النفس البشريّة من أحوال وتقلّبات، وما يمرّ بها من ظروف ونوازل، فهل يجدون في شيء من ذلك ما لا يكون بابًا للاقتداء والتأسّي.؟! ولاشكّ أن الأعداء المناوئين منذ عهد النبوّة، وإلى يومنا هذا لو أنّهم وجدوا شيئًا من ذلك لطاروا به فرحًا، وأعلنوا في كلّ نادٍ ومحفل: أن كيف يقتدى بنبيّ أو مدّع للنبوّة هذا شأنه ووصفه؟! ولكنّ الواقع يقول: إنّ كثيرًا من المخالفين الناقدين،