ولقد أوذي - صلى الله عليه وسلم - في الله تعالى أشدّ الإيذاء، فلم يدع على قومه، ولم يتطلّع إلى الانتقام منهم، وإنما كان يقول: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) [1] .
وعندما ناله - صلى الله عليه وسلم - منهم من الأذى أشدّه عُرض عليه التعجيل بعذابهم وهلاكهم، فقال - صلى الله عليه وسلم - كلمته المشهورة: ( .. لا بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) [2] .
إنّه - صلى الله عليه وسلم - أعظم إنسان لبس جلباب العبوديّة لله تعالى، ونعم بأكرم مراتبها، لقد شُغف قلبه الشريف بعبادة ربّه، والاستغراق في مناجاته وذكره، فكان يجتهد في التعبّد عبادة خشوع وخضوع، وخشية ودموع، وإخلاص في التوجّه إلى الله تعالى وابتغاء مرضاته، قام من الليل حتّى تفطّرت قدماه، وعندما قيل له: أتفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر.؟! قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا .. ولم يمنعه اجتهاده في العبادة من أن يكون مبادرًا إلى كل عمل في حينه، بدون تأخير يفقد العمل قيمته، أو تعجّل بالعمل قبل وقته ..
لقد جمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - جمعًا فريدًا في التاريخ بين أعلى درجات النقاء الروحيّ بالاجتهاد في عبادة الله تعالى، وأعْلى درجات العمل والنشاط، دعوةً إلى الله تعالى، وتربيةً لأمّته، وخدمة لكلّ من قصده بخدمة أو نصرة، وجهادًا
(1) ـ رواه البخاريّ في كتاب أحاديث الأنبياء برقم 3218، ومسلم في كتاب الجهاد والسير برقم 3347 عن عَبْدِ اللهِ بنِ مَسعُود - رضي الله عنه -.
(2) ـ رواه البخاريّ في كتاب بدء الخلق برقم 2992 ومسلم في كتاب الجهاد والسير برقم 3352 عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -.