ثانيًا: أنه قد روى هذه القصة من الصحابة غير جابر - رضي الله عنه - ولم يذكروا كشف المرأة المذكورة عن وجهها فقد روى البخارى، ومسلم وغيرهم عن أبى سعيد الخدري وابن عباس، ابن عمر، وابن مسعود، ولم يقل أحدًا ممن روى القصة غير جابر أن تلك المرأة سفعاء الخدين، فهؤلاء حفنة من الصحابة - رضي الله عنهم - ذكروا نحو ما ذكره جابر من الحديث ولم يذكر واحدًا منهم سفورًا لا عن تلك المرأة ولا عن غيرها.
ثالثًا: أن هذه المرأة ربما تكون من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا فلا تثريب عليها في كشف وجهها.
رابعًا: لا يوجد في الحديث ما يدل على أن هذه القصة قبل الحجاب أم بعده فيُحتمل أنها كانت قبل أمر الله تعالى النساء أن يضربن بخمرهن على جيوبهن فآية نزول الحجاب كما قال الشيخ صالح بن العثيمين كانت في السنة الخامسة أو السادسة بعد الهجرة، وصلاة العيد شُرعت في السنة الثانية من الهجرة، ومن المعروف أن أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا تتعارض ولا يرد بعضها بعضًا لأنها وحى من عند الله كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"ألا إنى أُوتيت القرآن ومثله معه" [1] ، ولكن إذا حصل تعارض بين الأحاديث فحينئذ لابد من سلوك طريق الجمع بين الأحاديث فنقول إذا ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى المرأة سفعاء الخدين وأقرها، وأنها لم تكنُ من القواعد اللائى لا يرجون نكاحًا، فالجمع هو أن حديث جابر كان قبل الأمر بالحجاب، فيكون منسوخًا بالأدلة التى ذكرناها من قبل، ومن ترك الدليل ضل السبيل ليس على قوله تعويل.
(قلتُ) : قوله (سفعاء الخدين) يعني في خديها سواد وهذا في غالب الأحوال يكون إما في الإماء المملوكات والأمة المملوكة لا يجب عليها شرعًا تغطية وجهها آنذاك إلا إذا كان بها فتنة، والله أعلم. أو يعود سواد الخدين إلي كبر السن فيكون في النساء الآئي لا يرجون نكاحًا فليس عليهن تغطية وجوههن، والله أعلم.
بل إن في كلام جابر رضي الله عنه ما يدل ويؤكد على أنه لم يشاهد المرأة بنفسه كونه قال:(
ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن)وقوله: (فقامت امرأة من سطة النساء) وقوله: (فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال) وفي رواية لابن عباس: (فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن) كلها تدل على بعدهم عن موضع النساء، فلم يكونوا جميعا مختلطين، وأنه كان يحكي ما حصل هناك فلم يكن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد من الرجال سوى بلال يعتمد عليه ويَجمع الصدقات ولم يقل إن وصفه لها كان عن حضور ومشاركة ورؤية منه لذلك، بل العكس
بل والأظهر والآكد في أن جابرا رضي الله عنه لم يرى تلك المرأة بنفسه وأن ابن عباس رضي الله
(1) صحيح أخرجه أحمد:17213 عن المقدام بن معد يكرب صححه شعيب الأرناؤوط