{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}
فالحجة قائمة على من يريد الأكتفاء بالقرأن، وحجّتهم داحضة عند ربهم وعند الناس. وهم إذا قالوا نكتفي بالقرآن، فقد قامت عليهم الحجة!
فقد قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}
فهل يجدون في كتاب الله كيفية الخمس صلوات؟
وهل يجدون فيه مقادير الزكاة؟
وهل يجدون فيه صِفَة الحج؟
روي أبو نَضْرَة عن عمران بن حصين أنّ رجلًا أتاه فسأله عن شي ء، فحدّثه، فقال الرجل: حدّثوا عن كتاب الله عزّ وجلّ، ولا تحدّثوا عن غيره! فقال: إنَّكَ امْرُؤٌ أحْمَقُ! أُتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَهِ صَلاَةَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا لايُجْهَرُ فِيهَا؟ وَعَدَّ الصَّلَواتِ، وَعَدَّ الزَّكَاةَ وَنَحْوَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَتَجِدُ مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ اللَهِ؟! كِتَابُ قَدْ أَحْكَمَ ذَلِكَ، وَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ ذَلِك [1]
أى أن هذه الأشياء وغيرها تفصيلها في السنة النبوية، أى في الأحاديث الصحيحة الثابتة. ولو عَلِم هؤلاء كَمّ الجهود التي بَذَلَها علماء الأمة في خدمة السنة لما تجرؤا على مثل هذا القول
فإن أعظم جهود بُذِلَتْ هي الجهود التى بذلت في خدمة السنة النبوية، عناية بالمتون والأسانيد، وتأصيلا لعلوم السنة، وعناية بالجرح والتعديل، وتتبع الأخبار والتحقق من مصادرها، ومن سماع الرواة، ومن تقييد الوفيات، إلى غير ذلك مما يقف المرء أمامه متعجِّبا من هذه الجهود الجبارة المباركة.
غير أن من جهِل شيئا عاداه!
ولم يظهر في الأمة دعوى ردّ الأحاديث إلا لما ظهرت الزندقة، تحت لبُوس مختلفة، وأسماء متعددة
(1) «كتاب العلم» للمقدسي ّ، ص 51، مخطوطة المكتبة الظاهريّة بدمشق؛ و «جامع بيان العلم وفضله» ج 2، ص 191