وأنه ليس من اليسير النظر إليهن أو الاختلاط بهن أو مجالستهن، وإلا لكانت كل هذه المعاني والتوجيهات من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصحابته وأمته ومن بعدهم لا داعي لها ومفرغة من معانيها وحقيقتها العملية الواضحة، وهذا ما قاله ابن قدامة صاحب المغني في"كتاب النكاح"فصل: نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب: (وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها دليل على التحريم عند عدم ذلك، إذ لو كان مباحا على الإطلاق فما وجه التخصيص لهذه؟ انتهى.
وقال النووي رحمه الله معقبًا على ما ساقه مسلم من أحاديث النظر إلى المخطوبة (9/ 210) وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء. وحكى القاضي عن قوم كراهته، وهذا خطأ مخالف لصريح هذا الحديث ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها.
وأنظر لقوله: الإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة فلا تعرف الأمة على أختلاف مذاهبها النظر للنساء بلا حاجة من سبب مبيح، وإلا لما ذكروا أمثلة (عند البيع والشراء والشهادة ونحوها (.
ولهذا تفهم أن قول بعضهم أن الوجه ليس بعورة إنما هو عندهم للتدليل على جواز كشفه عند الضرورة والحاجة وردا على من منعه بحجة كونه عورة.
وقد اختلف الفقهاء فيما يباح للخاطب نظره إلى المخطوبة على أقوال:
فذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية إلى أنه ينظر للوجه والكفين، وزاد الحنفية: والقدمين.
وذهب الحنابلة إلى أنه ينظر إلى ما يظهر غالبا كالوجه والكفين والرأس والرقبة والقدمين.
وذهب داود الظاهري وأحمد في رواية إلى أنه ينظر إلى جميع بدنها ما عداة العورة المغلظة وهي الفرجان.
والراجح ما ذهب إليه الحنابلة؛"لأنه صلى الله عليه وسلم لما أذن في النظر إليها من غير علمها عُلم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر غالبا إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره في الظهور"