فهرس الكتاب
بل زاد على ذلك بالدعاء لحسان؛ فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة÷ أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه فقال: قد كنت أنشد، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله"يقول: =أجب عني، اللهم أيده بروح القدس+."
قال: اللهم نعم. [1]
ولقد أنشد كعبُ بن زهير قصيدته المشهورة (بانت سعاد) أمام النبي"فكان للنبي"وقفات أثناء إلقاء القصيدة يحاور قائلها، وأصحابَه فيها، ومن ذلك أن كعبًا لما بلغ إلى وصف راحلته، فقال:
قنواء في حرتيها للبصير بها ... عِتْقٌ مبينٌ وفي الخدين تسهيل
قال رسول الله"لأصحابه: ما حرتاها؟ فقال بعضهم: عيناها، وسكت بعضهم، فقال رسول الله": هما أذناها.
ولما بلغ كعب قوله في مدح المهاجرين:
لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل
نَظَرَ رسول الله"إلى من حوله من قريش نَظَرَ مَنْ يومئ إليهم أن اسمعوا هذا المدح. [2] "
ولقد بلغ من إعجابه _عليه الصلاة والسلام_ بتلك القصيدة أن عفا عن كعب بعد أن كان قد أهدر دمه، ومنَّ عليه ببردته.
يقول الشيخ عبدالحي الكتاني×: =وقد اشترى تلك البردة منه معاوية بثلاثين ألف درهم، وكانت عنده من أَجَلِّ ملكه وأعظم.
وكانت أمراء بني أمية يتبركون بلبسها في الأعياد والمواسم، ويعدونها أفخر لباس، حتى وصلت مع الدولة لبني العباس.
وكان للأمة الإسلامية كبير اعتناء بهذه القصيدة اللامية البديعة حفظًا، واستنشادًا، وشرحًا، ومعارضة.
(1) _ البخاري (3212) ومسلم (2485) .
(2) _ انظر السيرة النبوية لابن هشام 4/ 113 و 116، والهداية الإسلامية 10/ 592_593.