فهرس الكتاب
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير, قال: قدموا على رسول الله"المدينة, فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر, عليهم ثياب الحبرات جُبَبٌ وأرديةٌ في جمال رجال بني الحارث بن كعب, قال: يقول من رآهم من أصحاب النبي": ما رأينا بعدهم وفدًا مثلهم، وقد حانت صلاتهم؛ فقاموا في مسجد رسول الله"فقال رسول الله": =دعوهم+ فَصَلَّوا إلى المشرق, قال: فَكَلَّم رسولَ الله"منهم أبو حارثة بن علقمة, والعاقبُ عبدُ المسيح, والسيدُ الأيهم، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم يقولون: هو الله, ويقولون: هو ولد الله, ويقولون: هو ثالث ثلاثة _تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا_."
وكذلك النصرانية, فهم يحتجون في قولهم هو الله, بأنه كان يحيى الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص والأسقام, ويخبر بالغيوب, ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا, وذلك كله بأمر الله، وليجعله الله آية للناس, ويحتجون في قولهم بأنه ابن الله يقولون: لم يكن له أب يعلم, وقد تكلم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله, ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله _تعالى_: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا.
فيقولون: لو كان واحدًا، ما قال إلا: فعلت، وأمرت، وقضيت، وخلقت, ولكنه هو وعيسى ومريم _تعالى الله وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا_.
وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن, فلما كلمه الحبران, قال لهما رسول الله": =أسلما+، قالا: قد أسلمنا."
قال: =إنكما لم تسلما فأسلما+، قالا: بلى قد أسلمنا قبلك.
قال: =كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولدًا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير+.
قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله"عنهما فلم يجبهما, فأنزل الله في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها."