فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 184

وكان مجلسه مجلس وقار، وحلم، وحياء، وخير، وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحُرَمُ، ولا تثنى فلتاته.

ومعنى لا تؤبن فيه الحرم: أي لا تذكر فيه حرمات الناس بسوء، يقال أبَنه إذا ذكره بسوء، والمراد بالحرم هنا أعراض الناس، وما يحرِّمون تناوله منهم.

ومعنى لا تثنى فلتاته: لا تعاد، مأخوذٌ من التثنية وهي الإعادة، والفلتات جمع فلتة، وهي الزلة من القول والفعل إذا جرت على غير قصد بغتة؛ يعني أن أهل ذلك المجلس أهل حفظ للسر، وإعراض عن اللغو، فلو صدرت من أحد فلتة لم يتناقلها جلساؤه بالتسميع والتشنيع.

وهذا أدب عربي رفيع، وفي هذا المعنى قال ودَّاك بن ثميل من شعراء الحماسة:

وأحلام عاد لا يخاف جليسهم ... إذا نطق العوّارَ غربُ لسان

ومن آداب ذلك المجلس أن أصحابه لا يقاطعون الرسول"إذا تكلم، وإذا سكت تكلموا، وإذا تحدثوا عنده لم يختلفوا، ولم يتخاصموا."

ومن أراد الكلام أنصتوا، واستمعوا له حتى يفرغ من كلامه.

وكان آخر من يتكلم عند النبي"له نفس حظ أول المتكلمين من الإنصات والاهتمام."

وكان _عليه الصلاة والسلام_ يضحك مما يضحكون، ويعجب مما يعجبون إذا كان في حدود الأدب.

وكان يصبر على الغريب إذا جفاه في مقاله وسؤاله، حتى إن أصحابه قد لا يرضون ذلك، ولكنهم لا يتقدمون بين يديه _عليه الصلاة والسلام_ ولا يتجاوزون ما علمهم من الصبر، والرحمة، وإعانة طالب الحاجة على طلبه.

ولهذا كان جلساؤه يتواصون بالتقوى، ويحفظون المروءات في مجلسه، فيوقِّرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويتعَطَّفون على الغريب، ويحتملون جفوته، بل ربما علموه بعض آداب ذلك المجلس قبل دخولهم فيه. [1]

(1) _ انظر أوصاف النبي"للترمذي ص 280_282، والشفا 1/ 206، وشرح الشفا 1/ 272، وأخلاق النبي"للأصبهاني ص 23_27، والهداية الإسلامية 10/ 596_597.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت