فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 184

بل إن النبي"أحسن الظن به وصدَّقه، ولم ينس سابقته، وكونه من أهل بدر، ولعل الله اطلع عليهم فقال: =اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم+ [1] ."

(1) _ للعلماء في المراد بالمغفرة في هذا الحديث أقوال، ومن أحسن من تكلم في توجيه ذلك العلامةُ ابن القيم× قال بعد أن ذكر بعض الأوجه التي قيلت في المراد بذلك: =فالذي نظن في ذلك _ والله أعلم _ أن هذا خطاب لقوم قد علم الله _ سبحانه _ أنهم لا يفارقون دينهم، بل يموتون على الإسلام، وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب، ولكن لا يتركهم الله _ سبحانه _ مصرِّين عليها، بل يوفِّقهم لتوبة نصوح، واستغفار، وحسنات تمحو أثر ذلك.

ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم؛ لأنه قد تحقق ذلك فيهم، وأنهم مغفور لهم، ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم، كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقًا بالمغفرة؛ فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك إلى صلاة، ولا صيام، ولا حج، ولا زكاة، ولا جهاد، وهذا محال. ... ... ... ... ... ... ... ... =

= ومِنْ أوجب الواجبات التوبة بعد الذنب؛ فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل أسباب المغفرة، ونظير هذا قوله في الحديث الآخر: =أذنب عبدٌ ذنبًا فقال: أي رب، أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم أذنب ذنبًا آخر فقال: أي رب أصبت ذنبًا فاغفر لي، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبًا آخر فقال: رب أصبت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله: علمَ عبدي أنَّ له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء+ رواه البخاري (7507) ، ومسلم (2758) .

فليس في هذا إطلاق وإذن منه _ سبحانه _ له في المحرمات والجرائم، وإنما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك إذا أذنب تاب.

واختصاصُ هذا العبد بهذا؛ لأنه قد علم أنه لا يصرُّ على ذنب، وأنه كلما أذنب تاب _ حكمٌ يعمّ كل من كانت حاله حاله، لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك كما قطع به لأهل بدر.

وكذلك كل من بَشَّرَه رسول الله"بالجنة أو أخبره بأنه مغفور له لم يَفْهم منه هو ولا غيره من الصحابة إطلاق الذنوب والمعاصي له ومسامحته بترك الواجبات، بل كان هؤلاء أشد اجتهادًا وحذرًا وخوفًا بعد البشارة منهم قبلها، كالعشرة المشهود لهم بالجنة."

وقد كان الصدِّيق شديد الحذر والمخافة، وكذلك عمر؛ فإنهم علموا أن البشارة المطلقة مقيَّدة بشروطها والاستمرار عليها إلى الموت، ومقيَّدة بانتفاء موانعها، ولم يَفْهَم أحدٌ منهم من ذلك الإطلاق الإذن فيما شاؤوا من الأعمال+. الفوائد ص34_36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت