وفي رواية لأنس بن مالك÷ قال: =لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان بذراريهم، ونعمهم، ومع النبي"يومئذ عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه، حتى بقي وحده، قال: فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما شيئًا، قال: فالتفت عن يمينه، فقال: =يا معشر الأنصار+ فقالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك، قال: ثم التفت عن يساره، فقال: =يا معشر الأنصار+ قالوا: لبيك يا رسول الله، أَبْشِرْ نحن معك، قال: وهو على بغلة بيضاء، فنزل، فقال: =أنا عبد الله ورسوله+ فانهزم المشركون، وأصاب رسول الله"غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين، والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئًا، فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعى، وتُعْطى الغنائم غيرنا، فبلغه ذلك، فجمعهم في قُبة، فقال: =يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم+ فسكتوا، فقال: =يا معشر الأنصار أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون بمحمد تحوزونه إلى بيوتكم+.
قالوا: بلى يا رسول الله، رضينا، قال: فقال: =لو سلك الناس واديًا، وسلكت الأنصار شعبًا؛ لأخذت شعب الأنصار+.
قال هشام: فقلت يا أبا حمزة: أنت شاهد ذاك، قال: وأين أغيب عنه+ [1] .
ففي هذا الحديث دروس بليغة، وفوائد جليلة، وقواعد وأصول مهمة في باب الحوار يطول شرحها.
وموطن الشاهد ههنا أن الرسول"سأل الأنصار سؤالًا عامًا؛ ليجعل الحديث لجميعهم، ولينظر في المشكلة من جذورها، ثم بدأ بتقريرهم وتذكيرهم بنعم الله عليهم، وذِكْرِ الفضل الكبير الذي فازوا به إذ أسلموا؛ فانتقلوا من الضلال إلى الهدى، ومن الفقر إلى الغنى، ومن التقاطع إلى التآلف، وتلك نعم يُسْتَوْجَبُ شكرَها، ويُسْتَنْكَرُ كنودُها."
قال ذلك النبي"ليتوسل إلى النفوذ إلى قلوبهم، ولإشعارهم بعظم مكانتهم عنده، ولعظيم فضل الله عليهم بسببه."
(1) _ البخاري (4331) ومسلم (1059) .