ولما كان من المقرر والمتوقع وغير المستغرب أن يجول في قلوب الأنصار أنهم _أيضًا_ بذلوا للدين، ونصروا الرسول"وصدَّقوه، وآووه _ وهي مزايا عظيمة، وحقائق ثابتة _ وكان نبي الله"_ وهو إمام الأوفياء، وسيد المنصفين، وصاحب الذوق المرهف، والنفس الكريمة، والذي يشعر بما قد يجول في خواطر الأنصار_ يستحضر ذلك تمامًا.
لما كان الأمر كذلك لم ينتظر _عليه الصلاة والسلام_ أن يقول الأنصار ما يمكن أن يقولوه من مزاياهم، أوْ مَا قد يغيب عن أذهانهم من الحجة في تلك اللحظة، بل بادرهم _عليه الصلاة والسلام_ ولَقَّنهم الحجة فقال: =أما إنكم لو شئتم أن تقولوا: كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا+.
أي أنه أراد أن يعلمهم أنهم _أيضًا_ أصحاب فضل، وسابقة؛ فلم يغب عن باله وهو في تلك اللحظة العصيبة، وفي ذلك الخطاب العاتب الزاري _ أن يعترف لهم بسابقتهم وفضلهم، وأن ذلك على ذُكرٍ منه [1] .
وبعد هذا الحوار الراقي، والعتب اللطيف، والإنصاف العالي _ قال لهم؛ مبينًا وجه السبب لإعطاء أناس دون أناس: =فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم+.
ثم أحسن بعد ما أنصف فقال: =أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي"إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير لما ينقلبون به+."
فقالوا: =يا رسول الله قد رضينا+.
فانظر من خلال هذا الحوار إلى جمال الحق، وعظمة الإنصاف المقرون بالإحسان.
المثالث الثالث: ما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة÷ قال: =وكلني رسول الله"بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله"قال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي": =يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة+."
قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالًا؛ فرحمته؛ فخليت سبيله، قال: =أما إنه قد كذبك، وسيعود+.
(1) _ انظر في أصول الحوار ص16_18.