فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 184

المثال الرابع: ما جاء في الصحيحين عن أسامة بن زيد _رضي الله عنهما_ قال: بعثنا رسول الله"في سرية فَصَبَّحْنا الحُرُقات من جهينة، فصبحنا القوم، فهزمناهم، ولَحِقْتُ أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي؛ حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي"فقال لي: =يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟+.

قال: قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذًا.

قال: فقال: =أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟+ قال: فما زال يكررها علي؛ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم [1] .

فهذا الحوار الحازم الذي استدعاه المقام، لم يكن سببًا في إهدار قيمة أسامة÷ بل أنصفه النبي"وعدل معه؛ حيث أنكر صنيعه، ولم يرض عن فعله، مع أنه صدر من حِبِّه وابن حِبِّه."

ومع هذا لم يكن ذلك الخطأ ذريعة للزهد بأسامة، والحذر من توليته أمرًا من الأمور؛ فالنبي"إنما تبرأ من الفعل، ولكنه لم يبرأ من أسامة، ولم يُفْقِدْه ثقته بنفسه، بل بقي _ كما هو _ حِبَّه، وابن حِبِّه، وكان يُستشفع به عنده"كما في حديث المخزومية التي سرقت، فقد جاء في الصحيحين عن عائشة _رضي الله عنها_ أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت؛ فقالوا: ومن يكلم رسول الله"، ومن يتجرأ عليه إلا أسامة حب رسول الله".

فكلم رسول الله"فقال: =أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟+."

ثم قام فخطب، قال: =ياأيها الناس! إنما أضل من قبلكم أنهم إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها+ [2] .

والأعجب من ذلك أنه"كان يستشير أسامة كما في حديث قصة الإفك، وفيه: قالت _أي عائشة رضي الله عنها_: =فدعا رسول الله"عليَّ بن أبي طالب، وأسامة ابن زيد _رضي الله عنهما_ حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله.

(1) _ البخاري (4269 و 6873) ومسلم (96) .

(2) _ البخاري (6788) ومسلم (2648) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت