وتجاوبت الحناجر بالنداء:
نحن الذين بايعوا محمدا ** على الجهاد ما بقينا أبدًا
وكانت البشارات والأمل في خضم المحنة والعدو يحاصر المسلمين تأتي كلمات القائد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لترفع معنويات المجاهدين، وهو يضرب بفأسه صخرة كانت تعترض الخندق"الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إنى لأنظر إلى صورها الحمراء الساعة، الله أكبر أعطيت فارس والله إني لأنظر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن".
في عز الأزمة والعدو يحاصر المدينة بهذا العدد الضخم من القوات، لا يفارق المسلمين، الأمل في أن الإسلام سينتصر، وستنهار دول الظلم والبغي، وستنهار دولة الفرس ودولة الروم، سينهار ملك كفار العرب، سينحسر سلطان بني يهود.
وفي أثناء هذا الابتلاء تميز الصف، فإذا بالمنافقين يكشفون عن مكنون قلوبهم قال تعالى: {مَّا وعَدَنَا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلاَّ غُرُورًا} [الأحزاب: 12] .
ولكن المؤمنين الموحدين كان لهم موقف آخر:
قال تعالى: {ولَمَّا رَأي المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وعَدَنَا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ومَا زَادَهُمْ إلاَّ إيمَانًا وتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] ، ومع الصبر والثبات والرضا بالقضاء والأخذ بالأسباب والإعداد والتوكل على الله، تنزل النصر من السماء:
يقول رب العالمين: {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9] .
قال تعالى: {ورَدَّ اللَّهُ الَذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وكَفي اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وكَانَ اللَّهُ قَوِيًا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25] .
قال تعالى: {وأَنزَلَ الَذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَاسِرُونَ فَرِيقًا} [الأحزاب: 26] .
قال تعالى: {وأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ودِيَارَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ وأَرْضًا لَّمْ تَطَئُووهَا وكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب: 27] .
وكانت سورة الأحزاب منهجًا تربويًا لأصحاب العقيدة، وتخليدًا لأخبار هذه القرون، وفضحة لموقف المنافقين، وتحالف الكافرين، وبيانة لحقيقة إنسان العقيدة، الذي يقول الله تعالى فيهم: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] .
والنصر للحق وأهله له صورتان: النصر ـ التمكين لدين الله في الأرض ـ أو الشهادة يقول رب العالمين: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلاَّ إحْدَى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52] .
ومن هنا كان أمر الله عز وجل لأهل الحق قال تعالى: ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ