وبيبرس، ومحمد بن قلاوون ـ بل إن أبناء أوروبا ظلوا يحتلون ديارنا سبعمائة سنة، حتى حررها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم سنة (16 هـ) .
إن الهجمة الأخيرة المعاصرة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة.
هل تذكرون بدر الكبرى التي وقعت في السابع عشر من رمضان سنة ثنتين هجرية، حينما خرج المشركون باتجاه الدولة الإسلامية المدينة المنورة، وأعلن قائد جيشهم أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم بها وننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع العرب بمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا.
إن الهدف هو كسر شوكة الدولة الإسلامية الوليدة، وقبل المسلمون التحدي، وخرجوا وهم صائمون رغم قلة عددهم، وقلة عدتهم، خرجوا للقاء العدو بناء على أمر الله عز وجل حيث قال: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5] والهدف: يريد الله أن: {يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ويَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ} [الأنفال: 7] . {لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ البَاطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ} [الأنفال: 8] .
أي أن الباطل خرج يستفز الحق وأهله، مستعليًا بعدده وعدته، والهدف الرباني أن تنكسر شوكة الباطل على أيدي جند الحق، وينتصر الحق.
قال تعالى: {ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123] .
هل تتذكرون غزوة الأحزاب التي وقعت في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة، حينما هاجم كفار العرب الدولة الإسلامية الوليدة، بعد تحالف كفار قريش وغطفان وكنانة وحلفائهم من أهل تهامة وبنو سليم، مع يهود بنى النضير وبنى قريظة في عشرة آلاف مقاتل ضد الأمة ورموا المدينة عن قوس واحدة.
وقد صور القرآن الكريم ذلك المشهد أصدق تصور: حيث قال تعالى: {إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ ومِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب 10، 11] .
وكان الابتلاء صعبًا، ولكن المسلمين قبلوا بالتحدي وخندقوا حول المدينة بناء على قرارات المجلس العسكري الاستشاري الأعلى بقيادة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعند وصول قوات العدو وكان الصبر والثبات والدعاء: (اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم منزل الكتاب مجرى السحاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم) . ورغم قلة عددهم وعدة المسلمين، ورغم قسوة المناخ وقلة الطعام، كانت المعنويات مرتفعة، وكانت الدنيا تسمع أهازيج المسلمين وهم يحفرون الخندق:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ** ولاتصدقنا ولاصلينا
فأنزلن سكينة علينا ** وثبت الأقدام إن لا قينا
إن الألى بغوا علينا ** وإن أرادوا فتنة أبينا
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ** فاغفر الأنصار والمهاجرة