ثم إن هذا الكيان اليهودي لا يملك عاملًا من عوامل الاستمرار، ولا عنصرًا من عناصر البقاء، ولا مؤهلًا من مؤهلات الحياة، إنه مخالف للبدهيّات السياسية والاقتصادية والمالية والعسكرية والبشرية والحضارية والحياتية.
إن هذا الكيان أشبه ما يكون بمريض في غرفة إنعاش، ويتداعى عليه الأطباء ويواصلون حقنه بالمضادات والمقويات، ووصله بأسباب الحياة، لكن إلى متى؟؟
إن أمريكا قطعت عن هذا الكيان أسلحتها المتطورة، وصناعاتها الحربية المتقدمة، فما هو مصيره عسكريًا؟ ولو أن أمريكا ـ وهذا هو المهم ـ قطعت عن هذا الكيان دعمها المالي القائم الآن بلا حدود، والمتمثل في مليارات دولاراتها، ومنحها الاقتصادية ـ وهي ستفعل ذلك في المستقبل يوم يصحو الشعب الأمريكي ويفتح عينيه على الحقيقة ـ فما هو مصير هذا المريض المخدر في غرفة الإنعاش؟ ثم إن هذا الكيان اليهودي يتآكل من الداخل، وتنخر فيه عوامل الهدم، ويعمل فيه سوس الفناء، وهو يبدو من الخارج لصاحب النظرة العجلى سليمًا قويًا مثل الشجرة الخضراء، ولكنه يتهاوى عندما يأتى السوس عليه ويتم التآكل فيه، وسيسقط كما تسقط الشجرة التي نخرها السوس عند أول زوبعة قادمة.
وهناك مشكلات قاتلة لهذا الكِيان، تمثل مظاهر التآكل فيه، وهي مشكلات مزمنة لا حل لها ولا علاج.
من هذه المشكلات خلافاتهم الحادة فيما بينهم، والعداوة والبغضاء التي ألقاها الله بينهم إلى يوم القيامة، بحيث أصبح بأسهم بينهم شديدًا، ويحسبهم النظار من بعيد جميعًا وقلوبهم شتى كما بينا في هذه الدراسة انقسامهم إلى طوائف مختلفة متصارعة، وأحزاب متباغضة، والمشكلات المزمنة بين"الأشكناز"و"السفاراديم"ليهود الشرقيين واليهود الغربيين، والمشكلات المزمنة بين المتدينيين والعلمانيين، وبين الأحزاب اليسارية واليمينية، إنها سوس ينخر في جسم كيانهم من الداخل.
ومن هذه المشكلات كذلك، الوجود العربي الإسلامي بينهم، المتمثل في العرب المسلمين في فلسطين المحتلة قديمًا، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، والذي يملك كل عوامل النماء والدوام والحياة، والذي يحتفظ بأصالة ومنهجية وثبات، والذي يتزايد أفراده ويترسخ كيانه، ويتضاعف تأثيره يومًا بعد يوم، فماذا سيكون بعد سنوات وأجيال؟ وعندما يكون وجودًا إسلاميًا ربانيًا، فتوقع مدى خطورته، من الداخل على الكيان اليهودى المتهاوى في المستقبل، ثم إن موارد هذا الكيان اليهودى الموجودة في فلسطين تنذر بالنضوب في المستقبل؟ لأنها موارد محدودة في رقعة من الأرض محدودة.
استمرار حالة اللاحرب واللاسلم مع اليهود، هو من أعوص المشكلات عندهم، وأفدح الأخطار التي تهدد كيانهم، وأكثر الوسائل استنفادًا لمواردهم وطاقاتهم وإمكاناتهم، وفي المقابل هو من أفضل الأمور عندنا، وأعظم الوسائل لاستنهاض هممنا وعودتنا إلى إسلامنا، وتوظيف طاقاتهم ومواردنا، وحفاظًا على شبابنا ووجودنا ودمائنا.
أما إذا اختارت أمتنا طريق السلام والمصالحة مع اليهود فإنه:
* بالسلام معهم يحصلون على المشروعية القانونية، والاعتراف الدستوري، وفي هذا لا يبدو الكِيان اليهودي غريبًا، ولا دخيلًا ولا معتديًا، وإنما هو أصيل وصاحب حق ثابت *بالسلام معهم سيدخرون مواردهم، ويوفرون قدراتهم وإمكاناتهم لبناء مستقبلهم وتقديم الخبرات لهم.