فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 141

ذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، إلى جواز الاستنجاء بسائر الأشياء الطاهرة ما لم يكن مأكولًا.

وقال الطبري: (يجوز الاستنجاء بكل طاهر ونجس، بشرط إزالة النجاسة) .

وقال داود وأهل الظاهر: (لا يجوز الاستنجاء بغير الأحجار الطاهرة) [1] .

قلتُ: فالجمهور على جوازِ استخدام غير الأحجار في الاستنجاء، ولم يخالف إلا الظاهرية، ثم اختلفوا فيما يُجزئ ويقوم مقام الأحجار.

قال الخطابي: (وفي النهى عنهما - أي:(الرَّوْث والعظم) - دليلٌ على أن أعيان الحجارة غير مختصة بهذا المعنى؛ وذلك لأنه لمَّا أمر بالأحجار، ثم استثنى هذينِ وخصَّهما بالنهي، دلَّ على أن ما عداهما قد دخل في الإباحة، ولو كانت الحجارة مخصوصةً بذلك لم يكن لتخصيصِهما بالذِّكْر معنى، وإنما جرى ذكرُ الحجارة وسيق اللفظ إليها؛ لأنها كانت أكثرَ الأشياء التي يُستَنْجَى بها وجودًا وأقربها تناولًا) [2] .

وقال أيضًا: (وقال أصحابنا، الذي يقوم مقامَ الحجر كلُّ جامدٍ طاهر مُزِيل للعين ليس له حرمة) [3] .

وفي شرح السنة: (تخصيص النهي بما يدل على أن الاستنجاء يجوزُ بكل ما يقوم مقام الأحجار في الإنقاء، وهو كلُّ جامدٍ طاهر قالع للنجاسة غير محترم من مَدَر وخشب وخِرَق وخزف) [4] .

قلتُ: ويرجع سببُ اختلافهم فيما يقوم مقام الحجارة إلى سبب التعليل في النهي عن العظم والروث، فإن كان كونهما من طعام الجن، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه كان يحمل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إداوةً لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعُه بها، فقال: (( مَن هذا؟ ) )، فقال: أنا أبو هريرة، فقال: (( ابغِنِي أحجارًا أستنفِضُ بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة ) )، فأتَيْتُه بأحجارٍ أحملُها في طرفِ ثوبي حتى وضعتها إلى جنبه، ثم انصرفتُ حتى إذا فرغ مشَيْتُ، فقلتُ: ما بال العظم والروثة؟ قال: (( هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفدُ جنِّ نَصِيبينَ، ونِعْمَ الجنُّ، فسألوني الزادَ، فدعوت الله لهم ألا يمرُّوا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها

(1) انظر: التمهيد 2/ 37.

(2) عمدة القاري شرح البخاري 2/ 299.

(3) نفس المصدر.

(4) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 1/ 380.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت