الرد عليهم من وجهين:
1 -أن تفسير الصلاة بالمساجد غير مسلَّم؛ لأن المسجد لم يُذكَر في أول الآية فيكون آخرها عائدًا عليه، وإنما ذكرت الصلاة، والصلاة لا تجوز للجنب إلا ألا يجد الماء فيتيمم صعيدًا طيبًا.
-فيكون معنى الآية: (أن الجنب لا يقرَبُ المسجد إلا أن تصيبه جنابة وهو مسافر فيتيمم ويصلِّي حتى يجد الماء) [1] .
وقد ورد هذا المعنى في تفسير الآية عن علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس - رضي الله عنهم [2] .
2 -قياس الحائض والنفساء على الجنب فيه نظر كبير للفارق بينهم؛ لأن الحائض معذورة ولا يمكن أن تغتسل قبل أن تطهر، ولا تملك رفع حَيْضَتِها، بخلاف الجنب، فيمكنه الاغتسال.
الدليل الثاني: حديث: (( لا أُحِلُّ المسجد لحائض ولا جنب ) ) [3] .
(1) الأوسط 2/ 109، والمحلى 2/ 253، وأحكام القرآن لابن العربي 1/ 437.
(2) مصنف ابن أبي شيبة 1/ 57، بأسانيد صحيحة.
(3) ضعيف: رواه أبو داود 232، والبيهقي في السنن الكبرى 2/ 442، وابن خزيمة 1263، عن عائشة قالت: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يصنعِ القومُ شيئًا رجاءَ أن ينزل لهم في ذلك رخصة، فخرج عليهم بعد، فقال: وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب.
قلت: مداره على أفلت بن خليفة العامري، عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة به.
وفيه أكثر من علة:
1 -أفلت بن خليفة، ويقال: فليت بن خليفة العامري، قال الخطابي في معالم السنن 1/ 158: مجهول، لا يصلح الاحتجاج بحديثه، وقال ابن حزم في المحلى 2/ 253: أما أفلت فغير مشهور ولا معروف بالثقة.
2 -جسرة بنت دجاجة:
قال عنها البخاري: عند جسرة عجائب؛ كما في التاريخ الكبير 62.
ولا عبرة بكلام العجلي حين قال: جسرة تابعية ثقة، فقوله - أي البخاري: عندها عجائب، ليس بصريح في الجرح؛ تهذيب الكمال 22/ 307.
لأن الإمام البخاري معلوم أنه لطيف العبارة في الجرح، وعلى فرض صحة كلام العجلي؛ فجسرة في أقل الأحوال مقبولة في الشواهد والمتابعات، ولا تتحمل التفرد، كما هو الحال هنا، وهي العلة الثالثة في الحديث، زِدْ على ذلك أنه اختلف عليها، فرواه: ابن أبي غنية، عن أبي الخطاب، عن محدوج عنها، عن أم سلمة، كما في الشاهد التالي، الذي رواه ابن ماجه 645، والطبراني في الكبير 883، من طريق أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا أبو نعيم، عن ابن أبي غنية، عن أبي الخطاب، عن محدوج الذهلي، عن جسرة، قالت: أخبرتني أم سلمة به.
وهو ضعيف جدًّا، به أكثر من علة أيضًا:
1 -جهالة أبي الخطاب: قال ابن حزم في المحلى: 2/ 185: أما محدوج فساقط، وأبو الخطاب الهجري مجهول.
2 -جهالة محدوج الذهلي.
3 -ضعف جسرة بنت دجاجة كما تقدَّم آنفًا.
4 -الاختلاف في سنده على جسرة، والصحيح أنه من رواية أفلت بن خليفة، عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة، لا من حديث أم سلمة، هذا ما رجحه أبو زرعة، كما في علل ابن أبي حاتم 1/ 99.
وضعَّف الحديثَ الخطابي، والبيهقي، وابن حزم وعبدالحق الإشبيلي؛ انظر: الإرواء للألباني 1/ 162، والنافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة للحويني 1/ 51.