الوجه الرابع: قوله تعالى: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143] ، فقد علق سبحانه الرؤية على ثبوت واستقرار الجبل، وهذا ممكن إذا مكنه الله.
وأما دعواهم أن"لن"للتأبيد الشامل للآخرة أيضًا، فباطل؛ فقد قال الله تعالى عن اليهود: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} [البقرة: 95] يعني: الموت، فذكر الله ذلك عنهم بـ:"لن"، وقيدها بـ:"أبدًا"، ومع ذلك فإن الله ذكر عنهم وعن أمثالهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة؛ قال تعالى: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77] ؛ أي: إنهم تمنوا الموت، فثبت بذلك أن"لن"لا تفيد النفي المؤبد.
قال ابن مالك:
ومَن رأى النفيَ بلَنْ مؤبدًا = فقولَه اردُدْ، وسواه فاعضدا
ثانيًا: الجواب على شبهتهم الثانية في قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] .
أقول: إن هذه الآية دليل على ثبوت الرؤية لا على نفيها؛ لأن الله تعالى ذكرها في سياق المدح، ومعلوم أن المدح يكون بالصفات الثبوتية؛ فالنفي الذي يتضمن إثباتًا يكون مدحًا، وأما النفي المحض فليس بكمال، فنفي السِّنَة مدحٌ؛ لأنه تضمن كمال الحياة، ونفي الظلم مدح؛ لأنه تضمن كمال العدل، ونفي النسيان مدح؛ لأنه تضمن كمال العلم والحياة، بل كمال الصفات، وكذلك هنا؛ فإن نفي الإدراك يتضمن كمال عظمته وجلاله سبحانه.
وأيضًا فإن الآية إنما نفت"الإدراك"، ولم تَنْفِ"الرؤية"، وفرق بينهما؛ فإن الإدراك أمر زائد على الرؤية؛ كما قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا} [الشعراء: 61، 62] ، فإنه لم ينفِ الرؤية؛ حيث {تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} [الشعراء: 61] ، وإنما نفى الإدراك، وهو شيء زائد على الرؤية، وعلى هذا فالله سبحانه يُرَى، لكن لا يدرك، ويُعلَم، ولا يحاط به علمًا، وهذا الذي فهمه الصحابة والأئمة رضي الله عنهم؛ كما روي عن ابن عباس أنه قيل له في ذلك، فقال للسائل: (أفترى السماء؟) ، قال: نعم، قال: (أفتدركها؟) ، قال: (لا) ، قال: (الله أعظم وأجلُّ) .
تنبيه: التحذير من بعض الألفاظ التي ترد على ألسنة العوام وهي تخالف عقيدة التوحيد:
* من ذلك قولهم:"عبد الرسول"، أو"عبد النبي"، أو"عبد الحسين"، أو"عبد المأمور"؛ فهذا لا يجوز، ولا يصح التعبيد إلا بالأسماء الحسنى.