غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: 172، 173] [1] .
ومعنى"قِبَلًا": أي مواجهة.
القول الثاني: أنه ميثاق الفطرة:
قال ابن كثير رحمه الله:"وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية: على هذه الملة - فأبواه يهوِّدانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟! ) ) [2] ."
و"الجمعاء": الكاملة الخلقة، و"الجدعاء": مقطوعة الأنف.
وعلى هذا التقرير، فيكون معنى الآية: أن الله أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين بلسان حالهم لا بالمقال؛ [لأن الشهادة تكون بالحال كما تكون بالقول؛ كقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17] ؛ أي: حالهم شاهد بذلك] [3] .
الجمع بين القولين:
قال الشيخ حافظ أحمد حكمي - رحمه الله - في كتابه"معارج القبول": (ليس بين التفسيرين منافاة، ولا مضادة، ولا معارضة؛ فإن هذه المواثيق كلها ثابتة بالكتاب والسنة:
الأول: الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم عليه السلام، وأشهدهم على أنفسهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] الآيات، وهو الذي قاله جمهور المفسرين - رحمهم الله - في هذه الآيات، وهو نصُّ الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما.
(1) رواه أحمد (1/ 272) ، والنسائي في الكبرى (6/ 347) ، والحاكم (2/ 593) وقال: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1701) .
(2) رواه البخاري (1358) (1385) ، ومسلم (2658) .
(3) ابن كثير (2/ 347) بتصرف.