فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 160

الثاني: ميثاق الفطرة، وهو أنه - تبارك وتعالى - فطَرهم شاهدين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول؛ كما قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] ، وهو الثابت في حديث أبي هريرة، وعياض بن حمار، والأسود بن سريع رضي الله عنهم [1] ، وغيرها من الأحاديث في الصحيحين.

الثالث: هو ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب؛ تجديدًا للميثاق الأول، وتذكيرًا به: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165] ، ففيه تفصيل:

فمن أدرك هذا الميثاق وهو باقٍ على فطرته التي هي شاهدة بما ثبت في الميثاق الأول، فإنه يقبل ذلك من أول مرة ولا يتوقف؛ لأنه جاء موافقًا لما في فطرته، وما جبله الله عليه؛ فيزداد بذلك يقينه، ويقوى إيمانه، فلا يتلعثم ولا يتردد.

ومن أدركه وقد تغيرت فطرته عما جبله الله عليه من الإقرار بما ثبت في الميثاق الأول، بأن كان قد اجتالته الشياطين عن دينه، وهوَّده أبواه أو نصَّراه أو مجَّساه - فهذا إن تداركه الله برحمته فرجع إلى فطرته وصدَّق بما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، نفعه الميثاق الأول والثاني، وإن كذب بهذا الميثاق، كان مكذبًا بالأول والثاني، فلم ينفعه إقراره به يوم أخذه الله عليه.

ومن لم يدرك هذا الميثاق، بأن مات صغيرًا قبل التكليف، مات على الميثاق الأول، على الفطرة، فإن كان من أولاد المسلمين، فهم مع آبائهم، وإن كان من أولاد المشركين، فالله أعلم بما كانوا عاملين) [2] ؛ اهـ.

قلت: فعلى هذا فإن الله برحمته لم يؤاخذ الخلق بمجرد الميثاق الأول، وإن كان وحده - أي الميثاق الأول - يكفي في إقامة الحجة عليهم، لكنه لا يؤاخذهم حتى يرسل الرسل، ويقيم عليهم الحجة بهم؛ ولذلك قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وسوف نسوق بإذن الله تعالى ما يتعلق بأصول الإيمان التي ينبغي للمسلم أن يكون على إلمام

(1) حديث أبي هريرة تقدم، وحديث عياض بن حمار رواه مسلم (2865) ، وفيه قال تعالى: (( إني خلقت عبادي حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ) )، وحديث الأسود بن سريع، رواه الطبري (9/ 77) ، وأحمد (4/ 44) ، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ألا إنها ليست نسمة تولد إلا وُلِدَت على الفطرة ... ) )وإسناده صحيح.

(2) معارج القبول (1/ 92، 93) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت