الكافر والمسلم فالكافر يعرف أن محمد رسول من عند الله كما قال تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ {الأنعام/33} ) وقال تعالى (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ {النحل/83} ) وبالتالي فهذه المعرفة تحدث من الجانب العلمي في منطقة ظاهر القلب أعلاه حيث عملية الإبصار البشري كما ذكرنا مع ملاحظة الفرق من الجانب العلمي والديني بين معرفة الحق والعلم بالحق فأما الفرق من الجانب الديني فالعلم بالحق لا يكون إلا للمؤمن كما قال تعالى (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ {الرعد/19} ) أما من الجانب العلمي فالعلم بالحق يكون في منطقة باطن القلب الخاصة بالمسلم وهنا نواصل في مراحل سير المعلومات حبيث تنتقل هذه المعلومات من منطقة ظاهر القلب وهي في صورة معرفة إلى ظاهر الدماغ لأن ظاهر القلب يتصل بظاهر الدماغ وباطن القلب يتصل بباطن الدماغ وفي ظاهر الدماغ يتم تحول المعرفة الخاصة بحاسة البصر إلى علم بصري وهذا يتم ضمن رحلة الوعي من القلب إلى الدماغ وفي رحلة الإدراك والعودة من الدماغ إلى القلب تدخل المعلومات البصرية إلى باطن قلب المسلم المفتوح بنور الإيمان فتتحول المعلومات من العلم البصري إلى الفقه وهو أي الفقه يكون بمثابة دخول في البصيرة ومراحلها لذلك تعتبر البصيرة هي أعلى درجات العلم كما في تعريف بن القيم وهو كما يلي:
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ تَبْلُغَ فِي اسْتِدْلَالِكَ الْبَصِيرَةَ]
فَصْلٌ
قَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَبْلُغَ فِي اسْتِدْلَالِكَ الْبَصِيرَةَ. وَفِي إِرْشَادِكَ الْحَقِيقَةَ. وَفِي إِشَارَتِكَ الْغَايَةَ.
يُرِيدُ أَنْ تَصِلَ بِاسْتِدْلَالِكَ إِلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الْعِلْمِ. وَهِيَ الْبَصِيرَةُ الَّتِي تَكُونُ نِسْبَةُ المْعُلُومِ فِيهَا إِلَى الْقَلْبِ كَنِسْبَةِ الْمَرْئِيِّ إِلَى الْبَصَرِ. وَهَذِهِ هِيَ الْخِصِّيصَةُ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا الصَّحَابَةُ عَنْ سَائِرِ الْأُمَّةِ. وَهِيَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} ) [يوسف: 108] أَيْ أَنَا وَأَتْبَاعِي عَلَى بَصِيرَةٍ.
وَقِيلَ {وَمَنِ اتَّبَعَنِي} ) [يوسف: 108] عَطْفٌ عَلَى الْمَرْفُوعِ بِأَدْعُو أَيْ أَنَا أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ. وَمَنِ اتَّبَعَنِي كَذَلِكَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ.
وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَتْبَاعَهُ هُمْ أَهْلُ الْبَصَائِرِ الدَّاعِينَ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ. فَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَ مِنْ أَتْبَاعِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمُوَافَقَةِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ أَتْبَاعِهِ عَلَى الِانْتِسَابِ وَالدَّعْوَى.