الأخلاق والإهتداء بهدي الله حتي تقوم الحجة عليهم (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [1] وكانت رسالة كل رسول قاصرة على قومه خاصة في إصلاح ما فسد من عقائدهم وأخلاقهم والعمل على تهذيب نفوسهم وأرواحهم بمرجعهم إلي فطرة التوحيد حيث كانت المجتمعات الإنسانية في أطوارها الأولي محدودة المطالب بدائية النشأة سطحية التفكير محصورة في نطاق بيئتها (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [2] ولم يكن أمر الناس في المعاملة متشعب النواحي ضيق المسالك حتي تحتاج الخليقة إلي نظم تذلل بها عقبات الحياة وتحل مشاكلها فلم يشأ الله البقاء لرسالة رسول قبل محمد صلي الله عليه وسلم كي تحمل عناصر الخلود فكانت شريعة كل رسول خاصة بقومه للمحافظة على التوحيد الذي طرأ عليه الخلق في عبودية الإنسان لله وحده وتقويم حياتهم على هدىً من الله فلما نمت معارف الإنسان واتسعت مطالبه وتعقدت أمامه مشاكل حياته أذن الله بفجر دين جديد يلقي أضواءه على جوانب الحياة كلها ليكتمل صرح الحضارة الإنسانية التي بناها رسل الله فكان هذا الدين هو شريعة الإسلام (إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأفا اللبنة وأنا خاتم النبيين) متفق عليه.
وأخذ الله علي أنبياتء بذلك العهد الميثاق (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) [3] فالوحي الإلهي المتتابع يمثل نهرًا تكونت له روافد وتفرعت جداول تروي ما يذيل من أيك العقيدة وما يجف من أعواد الفضيلة لتبقي خصائص الإنسانية البنُاءة في ازدهار ونمو تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ينبع هذا النهر ويفيض خيره حيث يوحي الله إلي ملائكته سفراءه إلي رسله أو يكلم رسله سفراءه إلي خلقه.
وقد انتهي مصب هذا الماء الغدق برسالة محمد صلي الله عليه وسلم نبي الإسلام والنصوص القرآنية تعلن وحدة هذا التشريع من منبعه إلي مصبه (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [4] والقرآن الكريم يحكي رسالات الأنبياء السابقين
(1) سورة النساء الآية (165) .
(2) سورة فاطر الآية (24) .
(3) سورة آل عمران آية (81) .
(4) سورة الشوري آية (12) .