تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) [1] واتفقت في أصول العبادات والأخلاق والتهذيب النفسي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [2] وأكثر الشرائع السماوية لم تتجاوز هذه الأصول: عقيدة - وعبادة - وخلقًا - ومثلها في التربية النفسية والمعاني الروحية النصرانية شريعة عيسي عليه السلام
أما الشريعة اليهودية التي أرسل الله بها موسي عليه السلام فقد اشتملت بعض أنواع المعاملات إلا أنها كانت محدودة تحمل طابع بيئة بني إسرائيل ولن تكتسب صفة العموم والشمول التي تجعلها صالحة لزمن آخر أو لقوم آخرين وقد أشار القرآن الكريم في عقوبتهم بتحريم الطيبات عليهم إلي هذا (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [3] وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال (وإن اليهود جاءوا إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا) فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم (ما تجدون في التوراة من شأن الرجم؟ فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: أرفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقال صدقت يا محمد فأمر بهما النبي صلي الله عليه وسلم فرجما فرأيت الرجل يجنأ المرأة ليفيها الحجارة) .
أما الشريعة الإسلامية التي جاء بها محمد صلي الله عليه وسلم فإنها جاءت وافية بمطالب الحياة الإنسانية تسد عوزها وتحقق لها أهداف العمران في شتي جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فالإسلام عقيدة وعبادة وخلق وتشريع وحكم وقضاء ومسجد وسوق وهو علم وعمل ومصحف وسيف وهذا هو ما نعنيه عندما نقول (الإسلام دين ودولة) .
وقد اكتسبت نصوص الشريعة الإسلامية من المرونة والعموم ما جعل قواعدها ساحة للناس كافة في كل عصر من العصور تساير عوامل النمو والارتقاء وتقود حضارة الإنسانية إلي معالم الحق وسبيل الرشاد ولهذا أكمل الله بها الدين وأتم بها النعمة) [4] .
(1) سورة الأعلي آية (14 - 16) .
(2) سورة البقرة آية (183) .
(3) سورة النساء آية (160 - 161) .
(4) تاريخ التشريع الإسلامي والفقه، مناع القطفي - مكتبة دار المعارف للنشر والتوزيع - الرجفي - ط 2 للطبعة الجديدة - 1417 هـ - 1996 م.