ومن هنا فإن مسألة الحرية الفكرية في المفهوم الإسلامي العقلي وفي القرآن لا تقف عند حد وإذا كان الإسلام يطلق الحرية بهذه الطريقة للناس أي أنه لا حرية إلا للفكر الإسلامي لأن أي فكر مضاد فكر باطل فكيف يسمح للكافرين بتأكيد فكرهم بالدعوة إليه بكل الوسائل المتاحة لهم؟ ونريد أن نعالج المسألة من حيث المبدأ ومن حيث التفاصيل لنطرح سؤالا محددًا وهو هل مثل هذه الحرية في نشر الفكر المضاد تؤدي إلى الاختلال الاجتماعي؟ وإذا كان الجواب إيجابيًا أفيكون التضييق على الفكر ومحاصرته أو منعه من أن يتنفس موجبًا لإنهاء هذا الفكر و وإبعاده عن التأثير في عملية الاختلال لان الساحة لا تحمل إلا الإسلام فلا فكر غيره فيبقى التأثير له بعده؟ أم أن المسألة ليست بهذا الوضوح لأن الفكر المضاد قد يتحول من المواقع العلنية إلى المواقع السرية في نطاق الأوضاع المعقدة التي يفرضها الحجر الفكري وبالتالي قد ينجح في استقطاب عدد كبير من الأمة إلى جانبه بينما تضعه الحرية الإعلامية تحت رقابة الفكر الإسلامي الذي يواجه بمختلف الوسائل الفكرية التي تستطيع محاصرته بالحجة والبرهان بدلًا من مواجهته بالقوة والقهر؟. إنما نجيب على هذا السؤال بالتأكيد على أن الحرية الفكرية التي تسمح بطرح كل الأفكار في ساحة الفكر على مستوى حركة الصراع لا تؤدي دومًا إلى الضلال بل ربما تقوُي جانب الحق عندما يكتشف الناس من خلال المقارنة نقاط الضعف التي يختزنها الباطل في مقابلة نقاط القوة التي تتمثل بالحق لا سيما إذا كانت الملاحقة سريعة متتابعة بحيث لا يطرح فكر إلا ويبادر بالفكر الآخر ومواجهته ولا يطلق شبهة فكرية ضد الفكر الحق إلا وينطلق العمق الفكري ليوضح طبيعتها فيما تثيره من علامات الاستفهام أو نقاط الضعف ليجيب على كل سؤال وتحرك نقاط القوة أمامها الأمر الذي يمنع الفئات المضادة من فرض فكرها على الواقع.
وإذا كانت الحرية قد تجتذب بعض السلبيات فإنها قد تحتوي الإيجابيات بشكل أكثر فاعلية وقدرة على الثبات وقد تكون سلبيات السرية أكثر من سلبيات العلنية.
ولعل من الطبيعي في حركة الدعوة أن تدرس الشروط الضرورية لحماية مواقعنا من حركة الآخرين في الاتجاه المضاد فيما نملك من قوة فكرية وعملية لأن المسألة المطروحة هي أن تتحرك مسألة الحرية في مواقع القوة التي تملك خوض ساحة الصراع بوسائلها الخاصة لا في مواقع الضعف تجعلك خاضعًا لكل الضغوط القوية المفروضة على الواقع كله فإن الضعفاء لا يملكون أن يحركوا أي قضية في الساحة ولا يدافعوا عن أي موقف سواء كان ذلك متصلًا بموقفهم أو بموقف الآخرين) [1]
(1) كتاب التوحيد \تأملات في لبفكر السياسي \ السيد محمد حسين فضل الله سلسلة دورية تصور من مجلة التوحيد ط 1 جماد الأولى 1416 - 1995