فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 1119

الله وكانوا عليه شهداء) [1] وقال تعالى (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما انزل الله فأولائك هم الفاسقون) [2] وكذلك كان للعرب قضاة يرجعون إليهم حين تكون بينهم خصومات من أمثال عامر بن الطرب وكان من حكماء العرب والعرب لا تعدل بفهمه فهمًا ولا بحكمه حكمًا ولكن التاريخ يحكي لنا أن القضاء عند العرب كان من قبيل ما يسمى بالتحكيم ضرورة ولم تكن للحكام سلطة مستمدة من الحكومة إذ لم تكن لهم حكومات في تلك الفترة وكل ما هنالك أن الرجل منهم كان إذا عرف بسداد الرأي وصحة الحكم ورجاحة العقل مع النزاهة منضمًا إلى ذلك كله معرفته بوقائعهم ونسبهم إكتسب بذلك منزلة في قومه تجعلهم يقصدونه إذا استجروا وينصبونه حكمًا إذا اختلفوا دون أن يكون أحد من المتخاصمين ملزمًا بالتقاضي أمامه.

فأما التنفيذ فقد كان الأغلب والكثير من حالاته التزامًا من المتخاصمين بالنزول على حكم القاضي ثقةً منهم بأصالة رأيه وصحة نظره مضافًا إلى ذلك ما عرف عن العرب من الوفاء بما النزموه وتعاقدوا عليه وقد يكون لهيبة القاضي وحرمة قبيلته أثر في ذلك

هذا وحين أحس بعض سادات قريش بفوضى التقاضي والتنفيذ ورأوا أنه ليس هناك هيئة محترمة تفصل في الخصومات ولها سلطان قوي تنفذ به حكمها وساءهم أن يروا بعض الإفراد من قبيلة يعتدون بقبيلتهم يسلبون أفرادًا من قبيلة أخرى ضعيفة أموالهم ونساءهم وكان ذلك يؤذي قريشًا في سمعة بلدهم الذي كان محط أنظار العرب ومكان حجهم وموضع تقديسهم ففكروا في نظام يقضي على ذلك كله فكان حلف الفضول ومن حديثه أن رجلًا من أهل اليمن قدم إلى مكة ببضاعة فاشترى من رجل من بني سهم ولما لوى الرجل بحقه سأله متاعه فأباه عليه فقام في الحجر واستنجد بقصي

وهناك أسباب غير ذلك وأيًا ما كان فجميع الأسباب ترجع إلى ما كان عليه العرب في جاهليتهم في الفوضى وضياع الحقوق.

ويذكر المؤرخون أن قريشًا أعظمت ذلك الأمر واجتمع الناس في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم يومئذٍ قبل أن يوحى إليه وسنه خمسّ وعشرون سنةً فاجتمعت بنوا هاشم وبنوا أسد وزهرة وتميم وتحالفوا على ألُا يظلم بمكة أحد غريب ولا بعيد ولا حر ولا عبد إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه ويؤدُوا له مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم ثم عمدوا إلى ماء من زمزم فجعلوه في حفنة ثم بعثوا به البيت فغسلت به أركانه ثم أتوا به فشربوه تأكيدًا منهم لما قد تعاقدوا عليه.

(1) - المائدة 43

(2) - المائدة 47

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت