لأنها آيات وأحاديث تبحث تفاصيل العمل وليس عمومه مثل اللغو والخطأ والنسيان والوسوسة، إلخ، ولذلك كان لا بد من ذكر لفظ معين لكل حالة كما وضح أعلاه، فمثلًا في اللغو لم يقل (لا يحاسبكم الله باللغو في أيمانكم) بل قال (لا يؤاخذكم) وهكذا لأن المحاسبة الخاصة هو اللفظ العام للمحاسبة الخاصة بالعبد ككل قلبًا وجوارحًا زنفسًا وعقلًا، إلخ، أي النفس البشرية ككل بدون تفصيل وحينما نقول محاسبة العبد ككل نعني أن المحاسبة للأعمال ما ظهر منها، أي بالجوارح وما لم يظهر خفي عن الآخرين لذلك جاء لفظ المحاسبة في الآية (إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) [1] .
4.التكليف من الله للنفس أو القلب أو الجوارح والفرق بين التكليف والمحاسبة:
مما سبق يتضح أن التكاليف والمحاسبة هما لفظان عامان يشيران للنفس البشرية ككل طالما ارتبطا بلفظ الجلالة (الله) (لا يكلف الله) و (يحاسبكم به الله) فإذا تحولنا من العام إلى الخاص ومن النفس البشرية إلى مكونات هذه النفس يختلف اللفظان في كل شئ بحيث يشير لفظ التكليف إلى الجوارح مناط التكليف وأيضًا العام لجوارح كل البشر بغض النظر عن درجات إيمانهم بينما تتجه المحاسبة للجوارح أو الظاهر وللباطن (إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) أي الظاهر والباطن ولكن في درجات الإيمان المرتفعة فقط فكلما زاد دين العبد زاد الإبتلاء ثم تنخفض المحاسبة تدريجيًا بإنخفاض دين العبد حتى تصل إلى محاسبة الظاهر فقط أو الجوارح أي المحاسبة العامة لكل البشر تبعًا للتكليف العام لكل البشر بمعنى أن المحاسبة تتجه نحو درجات الإيمان فلكل درجة ما يقابلها من الحساب الائق بها تدرجًا في المراحل من الإسلام - الإيمان - الإحسان بحسب وسع القلب والصدر والنفس لكل مرحلة.
ومواصلة للبحث في الجزء الخاص بالفرق بين المؤمن وغير المؤمن وجانب الربط بين موضوع الذنوب وموضوع التكليف والوسع أعلاه وهو أن التكليف أصلًا هو من عند الله للنفس البشرية بحسب وسعها وبالتالي يجب على العبد أن لا يتخطى هذا الوسع، فإذا كان هناك تقصير من جهة العبد بمعنى أنه قام بأعمال أقل من الوسع أو الإيمان، فهذا يعني خروج عن تكليف الله ودخول في تكليف الهوى والشيطان، وكذلك الحال إذا زاد العبد عن التكليف أو الوسع أو الإيمان بمعنى أنه أصبح يعمل بغلو، بمعنى أن هذا العبد قام بأعمال أكبر من الوسع أو الإيمان أو التكليف فيكون قد خرج عن تكليف الله ودخل في تكليف الهوى والشيطان مما يقود العبد إلى الذنوب في كلا الحالين أما الغلو الذي تحدث عنه الشرع فهو أعلى درجات الغلو الخاصة بتطبيق الشرع بصورة عامة، بمعنى الخروج عن الشرع ككل وفعل أشياء لم يكن يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل أولئك الذين قالواأنهم يصومون الدهر ولا يفطرون ولا يتزوجون، إلخ. ما معنى الحديث، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يصوم ويفطر ويتزوج فمن رغب عن سنته فليس منه،
(1) البقرة (284) .