بمعنى أن هذا غلو في الدين ككل بشكل عام وليس غلو خارجي بدرجة إيمانهم والخروج عنها، وهذا هو المدى الكلي للغلو بحيث يبدأ من العبد وخروجه عن سعته الإيمانية التي كلفه الله بها لتعم البلوى كما يقال فيطال الغلو كل الشرع للدرجة التي أوصلت هؤلاء إلى التوقف عن الزواج أو عدم الإفطار كل الدهر، فأصبحوا يتكلفون بالقيام بأشياء أكبر من وسعهم الفطري وهو ذلك الوسع المعتدل أي كما يسمونه في هذا العصر التيار الوسطي الذي يدعو إلى الوسطية في تناول الدين بعيدًا عن الغلو الأعلى الذي وصل إليه هؤلاء، ولكن نسي أصحاب هذا التيار أن الغلو الأكبر لا يطلق على إطلاقه في كل الأمور، بل بمجرد الخروج عن نطاق الغلو الأعلى في كل أمر من أمور الدين يقع الأمر في داخل نطاق المدى الخاص بالغلو حسب درجات الإيمان التي خرج صاحبها عنا إما بالزيادة أي القيام بعمل ديني أكبر من الإيمان أو الإفراط بالنقصان أي بالقيام بعمل ديني أقل من الإيمان وه مايسمى بالتقصير أو التفريط إلى أعلى المستويات الخاصة بالدين ككل، قابلت في الدرجة صيام الدهر عند هؤلاء وعدم الزواج، إلخ، إذن الوسطية في الدين تعني عدم الخروج عن كليات الدين، أما التفاصيل، فلكل درجته الإيمانية ووسعه، كفمن زاد إيمانه زاد وسعه وتحمل القيام بأعباء كبيرة قد تكون في نظر من هو أقل إيمانًا غلوًا وتشديدًا، إلخ، ولكن الأمر ليس كذلك على الإطلاق، بل هو مجرد إختلاف في نظر كل واحد بحسب درجته الإيمانية التي ينظر بها إلى الأمور ولذلك قلنا سابقًا أن لكل درجة إيمانية فهم معين، ناهيك عن العمل بالجوارح لاحقًا، وهذه نقطة هامة يجب فهمها والتركيز عليها وصاحب الإيمان المرتفع إذا لم يقوم بأعماله الإيمانية العالية المستوى يقع عليه مايعرف بالتقصير والخروج عن تكليف الله إلى تكليف الهوى ويحاسب على هذا التقصير ولا يحاسب على نفس هذه الأعمال من لم يقوم بها وهو من أصحاب الإيمان المنخفض لأنها لا تقع تحت وسعه الإيماني وتكليف الله له وإذا ام بها حوسب وعوقب لأنها هو وجوارحية المصدر وليست قلبية والله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا، والإخلاص مكانه القلب وليست الجوارح - وعلى هؤلاء أن يريثوا ويبذلوا جهدهم في رفع إيمانهم أولًا حتى يصل إلى التأهيل داخليًا للقيام بمثل هذه الأعمال العالية المستوى الإيماني.
كل ما سبق كان حول الوسع والإيمان وكلها أمور يحتاجها العبد المسلم في طريقه إلى الله ورضاه ولكن حتى يصل العبد إلى هذا الرضا لا بد له من الإستجابة لله ورسوله كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم) [1] . فما هي الإستجابة وما هي أنواعها وكيف تحدث؟
الإستجابة هي تفاعل وتجاوب العبد مع الحدث أثناء حياته بصورة عامة وهذا التفاعل والإنفعال يبدأ من داخل العبد أي الأجهزة الداخلية من قلب - نفس - عقل إلخ قبل وصول العمل إلى الجوارح لتكملة هذا التفاعل الكلي للعبد مما يعني أن لا بد من تقسيم هذه الإستجابة إلى:
(1) الأنفال (24) .