سابقًا أن الكافر يقول سمعنا وعصينا على العكس من المؤمن قال تعالي {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [1] .
وبعد انتهاء هذه الجزئية من علاقة الإعراض بعدم سماع القبول وحالة الإعراض نفسها عند المؤمن والكافر نرجع لمواصلة الحديث عن آخر لفظ للسمع وهو لفظ الصم وقد سبق أن قلنا أن القرآن يعبر أيضًا عن حالة عدم سماع القبول بلفظ الصم ولتوضيح هذا اللفظ واللفظ الآخر المشابه له وهو الوقر نرد ما يلي:-
قال تعالي {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} . [2] وقال تعالي {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} . [3] وقد جاء في شرح الجلالين لهذه الآية الأخيرة:-
(ومنهم من يستمع إليك) إذا قرآت (وحعلنا على قلوبهم أكنة) (أن) لا (يفقهوه) يفهموا القرآن (وفي آذانهم وقرًا) صمًا فلا يسمعونه سماع قبول (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتي إذا جاءوك يجادلونك يقول لا 1 ين كفروا إن) ما (هذا) القرآن (إلا أساطير) أكاذيب (الأولين) كالأضاحيك والأعاجيب جمع أسطورة بالضم [4] . الشاهد في هذا الشرح السابق في حال هؤلاء الكفار وأنهم لا يسمعون سماع قبول ونلاحظ في هذه الآية أن الاستماع بالأذن الخارجية كبداية قد حدث بدليل قوله (ومنهم من يستمع إليك) ولذلك قلنا أن الاستماع هو البداية وهو دخول للمادة المسموعة للأذن ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟
لن تستمر مراحل السمع الأخري التي تؤدي إلي سمع نافع ولم يتجاوز سمعهم منطقة الأذن بدليل أنه بمجرد الدخول إلي القناة السمعية القلبية لا نجد السمع القلبي بل نجد الوقر والصم مما يعني إنهم لا يسمعون سماع قبول بعد مرحلة الاستماع كما أوضح الجلالين بمعني إنه لم يحصل تجاوب قلبي ينتج عنه سماع قبول بالأذن والقلب معًا وهذا يترجم عمليًا الفصل بين القلب والجوارح لأن البصيرة عامة هي التي تعني الصلة بين القلب والجوارح وليس الفصل بينهم بحيث يصل القلب كل جارحة لتكون البصيرة السمعية والبصرية ... الخ نتيجة
(1) سورة النساء الآية: (46) .
(2) سورة محمد الآية: (16) .
(3) سورة الأنعام الآية: (25) .
(4) الجلالين تفسير الأنعام ص 172.