ولذلك فقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - في جوابه الآخر عن الغرباء: «هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي» .
فهذا بلا شك وصف في خاصة الغرباء وخاصة الفرقة الناجية، لذلك فمن عاش ومن أدرك منكم في هذا الزمن المضطرب بمختلف الفتن فعليه أولًا وقبل كل شيء أن يكون من الفرقة الناجية، وهذا ليس من الضروري أن يكون عالمًا؛ لأنه ليس من الفرض العيني على كل مسلم أن يكون عالمًا؛ ولكن من الفرض العيني على كل مسلم أن يعرف ما يجب عليه فيما يتعلق بعقيدته، فيما يتعلق بعبادته، وفيما يتعلق بسلوكه العيني الواجب العيني عليه.
فإذا لم يكن عالمًا كما هو شأن عامة الناس يأتي هنا قول الله -عز وجل- في القرآن الكريم: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
لا شك أن هذه الآية يجب قبل أن يطبقها عامة الناس هؤلاء أن يعرفوا بداهة من هم أهل الذكر، فأهل الذكر هم أهل القرآن، وأهل القرآن ليسوا هم الذين يقرؤون القرآن ويحسنون تقويمه وقراءته جيدًا، ثم لا يكادون يفقهون منه شيئًا ولو قليلًا، هؤلاء ليسوا هم أهل القرآن، أهل القرآن الذين أثنى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في حديث خاص، ألا وهو قوله: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» ، أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، هم الذين يفهمون القرآن ويفسرونه على ما كان عليه زمن نزوله على قلب النبي -عليه الصلاة والسلام-، أي على ما كان عليه سلفنا الصالح، هؤلاء هم أهل الذكر الذين يجب على عامة المسلمين أن يسألوهم، ومن المؤسف جدًا أن يكون هؤلاء هم القليلون الذين أشار إليهم الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - في جوابه الأول والثاني بخاصة. جوابه الأول: قال: «هم أناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» . والجواب