قد بين لهم فضل أئمة المذاهب، وعلمهم، ودقة فهمهم للكتاب والسنة، وتنبهوا بسبب ذلك لكثير من دقائق المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة، فاستفادوا بسببهم علومًا كثيرة في أوقات يسيرة، لولاهم لما وصلوا إليها، فجزاهم الله عن المسلمين خيرًا.
ولهذا فإن أنصار السنة أعرف بفضل الأئمة وعلمهم من أتباعهم الذين يقلدونهم على جهل بطرق الاستنباط والاستدلال، والله تعالى يقول: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} .
هذا، ثم إن الدعاة إلى السنة لما تبين لهم بعد البحث في المذاهب أن فيها الخلاف المذكور في القسم الثالث، لم يجيزوا لأنفسهم أن يتمسكوا بمذهب معين فيها، لأنهم علموا أن الصواب في الخلاف المذكور ليس محصورًا في مذهب واحد منها، بل هو مشاع بين جميعها، فالحق في المسألة الفلانية في المذهب الفلاني، وفي المسألة الفلانية في المذهب الفلاني وهكذا سائر المسائل، فلو أنهم تمسكوا فيها بالمذهب لأضاعوا كثيرًا من الحق الوارد في المذاهب الأخرى وهذا لا يجوز عند مسلم عارف.
ولما كان لا سبيل لمعرفة الحق مما اختلف فيه الناس إلا بالرجوع إلى السنة على ما بيناه فيما سبق، جعلها الدعاة إلى السنة الأصل الذي يرجعون إليه، والأساس الذي يبنون آراءهم وأفكارهم عليه.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لما كان الأئمة قد بذلوا جهودًا مشكورة في سبيل توضيح السنة وتقريبها للناس وبيان الأحكام الممكن استنباطها منها،