في صدورهم من علم تلقوه من نبيهم - صلى الله عليه وآله وسلم -، فلا ينبغي هدر هذا العلم الذي كان في صدورهم، لذلك قال الشافعي: أنت أعلم مني بالحديث. لماذا؟
لأن الشافعي أقام في مكة، ثم رحل إلى مصر، فاستفاد في مصر علمًا جديدًا لم يكن عليه من قبل، ولذلك صار له مذهبان قديم وحديث، ولمجرد أنه انتقل من إقليم إلى آخر اتسعت دائرة معلوماته وصار عنده مذهبين، فماذا يقول الإنسان بالنسبة للإمام أحمد الذي طاف البلاد شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا في سبيل جمع العلم من العلماء الذين رووه بالأسانيد عن الصحابة الذين كانوا يتفرقون في مختلف البلاد، بسبب الفتوحات الإسلامية.
يا أحمد! إذا جاءك الحديث صحيحًا فأخبرني به فأنت أعلم به مني، سواء كان حجازيًا أو شاميًا أم مصريًا.
لكن من حيث الاستنباط والفهم للنصوص والآيات الإمام الشافعي بشهادة كل من درس حياته هو أعلم من الإمام أحمد، لذلك ما يدرس الذي يريد أن يدرس مذهبًا للقصد الذي سبق السؤال والجواب عنه فيختار مذهب الإمام الشافعي أو مذهب الإمام أحمد.
زد إلى ذلك شيئًا آخر: أن الإمام الشافعي من حيث أتباعه له مزية لا توجد في أتباع الآخرين، أتباعه أكثر وأحرص على اتباع قاعدة الأئمة كلهم وهي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ففي الشافعية جماعة كثير جدًا ظهروا من بين الشافعية بأنهم خالفوا الإمام الشافعي في كثير من المسائل، بينما لا تكاد ترى شخصًا من العلماء الذين جاءوا من بعد من الأحناف أو الموالك خالفوا أئمتهم اتباعًا منهم لنصهم الذي هو أصل: إذا صح الحديث فهو مذهبي.