عندهم بالضرورات تبيح المحظورات، ولكنهم من دقتهم في فهمهم لكتاب ربهم وجدوا تنبيهًا دقيقًا في الآية إلى أنها لا تعطي هذه القاعدة على إطلاقها الضرورات تبيح المحظورات، ولذلك قيدوها بقولهم: الضرورة تقدر بقدرها.
من أين أخذوا هذا القيد؟ من قوله: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] يعني: إلا المقدار الذي اضطررتم إليه، وأنا أقول في سبيل التوضيح: هذه الضميمة لتلك القاعدة تقدر بقدرها أنه رجل تعرض للموت جوعًا فوجد لحمًا محرمًا أكله أصلًا فهذا لا يجوز له أن يأكل من هذا اللحم، ولو أنه استطيبه ذوقًا أو طبيعة كما هو شأن الكفار الذين عاشوا برهة من حياتهم وهم يستطيبون أخبث اللحوم ألا وهو لحم الخنزير، فبإمكاننا أن نتصور كافرًا من هؤلاء الكفار الذي عاش حياته وهو: يأكل من هذا اللحم رجس نجس، ثم هداه الله عز وجل فأسلم.
أنا لا أتصور مثل هذا المسلم الحديث العهد بالإسلام أنه راح تتطور أخلاقه وعاداته طفرة واحدة أي: بينما كان هو يستلذ ويستطيب في كفره أكل لحم الخنزير إذا به بعد أن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله يستخبثه هذا ما يأتي فورًا، إنما يأتي مع الاستمرار في طاعة الله واتباع أحكام شريعة الله وهكذا.
فإذا ضربنا إنسانًا وقع في مخمصة وخشي على نفسه الهلاك منها، ولم يجد إلا لحمًا محرمًا، فلا يجوز له أن يأكل من هذا اللحم المحرم ما يشبع منه، ولو استطابه بسبب ما أشرت إليه آنفًا من العادة القديمة، وإنما يأكل منه بقدر ما يسد رمقه وينجي نفسه من الهلاك.
هذا معنى قوله تعالى: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] .
فالآن بالنسبة للبنطلون أولًا: ما هي الضرورة للبس البنطلون ما هي