القوية تبين له بكل وضوح أنه لا فرق من حيث الحكم بين الغناء الصوفي والأناشيد الدينية.
بل قد يكون في هذه آفة أخرى، وهي أنها قد تلحن على ألحان الأغاني الماجنة، وتوقع على القوانين الموسيقية الشرقية أو الغربية التي تطرب السامعين وترقصهم، وتخرجهم عن طورهم، فيكون المقصود هو اللحن ويطرب، وليس النشيد بالذات، وهذه مخالفة جديدة وهي التشبه بالكفار والمجان.
وقد ينتج من وراء ذلك مخالفة أخرى؛ وهي التشبه بهم في إعراضهم عن القرآن وهجرهم إياه، فيدخلون في عموم شكوى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من قومه كما في قوله تعالى: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} .
وإني لأذكر جيدًا أنني لما كنت في دمشق-قبل هجرتي إلى هنا (عمان) بسنتين-أن بعض الشباب المسلم بدأ يتغنى ببعض الأناشيد السليمة المعنى، قاصدًا بذلك معارضة غناء الصوفية بمثل قصائد البوصيري وغيره، وسجل ذلك في شريط، فلم يلبث إلا قليلًا حتى قرن معه الضرب على الدف! ثم استعملوه في أول الأمر في حفلات الأعراس، على أساس أن (الدف) جائز فيها، ثم شاع الشريط واستنسخت منه نسخ، وانتشر استعماله في كثير من البيوت، وأخذوا يستمعون إليه ليلًا نهارًا بمناسبة وبغير مناسبة، وصار ذلك سلواهم وهجيراهم! وما ذلك إلا من غلبة الهوى والجهل بمكائد الشيطان، فصرفهم عن الاهتمام بالقرآن وسماعه، فضلًا عن دراسته، وصار عندهم مهجورًا كما جاء في الآية الكريمة، قال الحافظ ابن كثير في «تفسيرها» (3/ 317) :
«يقول تعالى مخبرًا عن رسوله ونبيه محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: {يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} ، وذلك أن المشركين كانوا لا يسمعون القرآن