ونعود بالحديث على دعوة (إصلاح الذرية) في الاتجاه الثالث ونقول أن النسل في السلسلة البشرية متبادل الموقع من حيث النظام الأسري فالابن أو الطفل اليوم يصبح رجلًا والدًا غدًا وبعده سيصبح الوالد الماضي القديم الذي سيحل محله الوالد الجديد والذي كان طفلًا أمس وهكذا بسلسلة الحلقات المتكررة المتماثلة بالمواقع الأسرية إلا أن الموضوع ليس له تفاعل مع غاية الوجود إذا ظل بهذه الصورة الرتيبة التي تشبهها كل التناسلات من المخلوقات الأخرى على وجه البسيطة وهنا يأتي دور هذه الآية الكريمة التي نتكلم عنها ليهب هذا التفاعل أهمية للوجود البشري ولولا هذه الدعوة والاستغفار بهذه الآية لرجعت الرتابة المنكرة إلى نقطة البداية وأصبح كما قلنا مثل بقية التناسلات الأخرى وإن الاستعراض التناسلي للرتابة المتكررة التي تحدث عنها الآية (67) من سورة غافر والتي جاء فيها ذلك الترتيب في الخلق، قال تعالى"هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلًا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخًا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلًا مسمى ولعلكم تعقلون".
أما وقد مضينا في هذا الموضوع وعرفنا كيف يكون هذا العقل فإننا نأتي للاصطفاء الأخير التي خصنا به المولى عز وجل لنخرج به من هذه الرتابة وتخرج التسلسل الخلقي البشري من الشبه بالخلائق الأخرى ونعطي الأهمية الكبرى للتفاعل مع الوجود بأن نعود إلى موضوع الدعوة والاستغفار وآخره كان للذرية فالدعوة لإصلاحها يدخل بهذا التفاعل حيث كانت المسؤولية كبرى وإنها كما بينا هي من السنن الكبرى لكل نبي ولكل مؤمن وأن يكون داعيًا وهو يعرف بعدما عقل أن التفاعل الحقيقي مع التسلسل البشري أن ينتهي هذا النسل البشري بحلقاته الأسرية إلى لقاء ربه يوم يقوم الحساب وهو مؤمن وكل ذلك بالدعوة إلى إصلاح الذرية. فكيف يكون إصلاحها.
أولًا: الإصلاح المباشرة:
ويتم هذا الإصلاح خلال فترة تواجد الذرية داخل كيان الأسرة وتكون تحت وصاية الوالدان حيث الرعاية المباشرة الكاملة وقد أتت آيات الله وهي كثيرة جدًا بهذه الرعاية وأولها ما كان لقمان يلقن ابنه من تعاليم عامة وخاصة وهو يحيط به من كل جانب وغايته ورغبته في أن يجعل من نفس ابنه نفس شديدة الإيمان. ولكن هذا التوجيه كما علمنا من هذه السورة العظيمة (لقمان) كان في بيت رجل صالح مشهور بصلاحه وعلمه وتقواه