وبعد هذه المرحلة الحساسة من فترة حياة الرسل والأنبياء تأتي نوبة اليقين بالرسالة ذاتها التي وكل بها والتي ضرب الله بها المثل الأعلى لجميع خلقه من المؤمنين وقد حثهم وأمرهم بالمجاهدة والشدة في الاقتداء برسلهم وعلى ميزانها الإلهي صنف الخالق عز وجل رسله بدرجات فضل بعضهم على بعض فمنهم الذين أنعم عليهم ومنهم أولوا العزم ومنهم المصطفون الأخيار ومنهم الخليل ومنهم الحبيب ومنهم الصالحون ومنهم من اجتباه ومنهم من كلمه بدون حجاب ومنهم من أعطاه الملك العظيم ومنها من خلقه بيديه ومنهم من أطال بعمره ومنهم من قصر ومنهم من قتل ومنهم من مات ميتة قضاء الأجل ومنهم من رفع إلى السماوات العلى ومنهم الأول ومنهم الخاتم.
وكل هذه الفضائل التي خصها الخالق عز وجل أنبيائه ورسله قد جاء ذكرها في كلام الله في القرآن الكريم وكل خاصية وفضيلة من هذه قد أعطيت لصاحبها موازية لشدة يقين الرسول أو النبي بالرسالة التي وكل بإبلاغها إلى أمته وبقدر ما لقي من صد أو إجابة كانت الصفة أو الدرجة أو الفضل توازي قوة الصد أو الإجابة من القوم وسوف نأخذ في هذا المقام يقين الرسول محمد صلى الله عليه وسلم برسالته وبعثته كمثال جامع شامل وذلك لعدة عوامل تجمعت لأن تكون هذه البعثة. بها صفة الشدة والاصطفاء وبلوغ البشرية من عمرها هذا الطور الذي تميزت به كما هو حديث بحثنا هذا.
إن حادثة الإسراء من مكة إلى المسجد الأقصى ومن ثم العروج إلى السماوات العلا إلى حيث قاب قوسين أو أدنى كانت كالدعوة لتثبيت وترسيخ الرسالة في قلب وعين الرسول بعد ما رأى ما رأى من صنوف الإعراض والصدق من قومه قال تعالى في سورة النجم آيات 10 - 11 {فأوحى إلى عبده ما أوحى} {ما كذب الفؤاد ما رأى} .
ثم قال عز وجل في سورة الشورى آية (15) {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرتُ لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير} .
وأعطف الله على رسوله ثانية قائلًا في سورة الزخرف آية (43) {فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم} .
وكيف يستمسك النبي بالذي أوحى إليه وما هي السبل إلى ذلك والشدة والمكر بالصد تصعد الأمور إلى حد منع التبشير والتبليغ بالرسالة وذلك