مستثناة وهي التي يحبها الله من عباده المؤمنين وهو لحظة التفوق والنصر على العدو بالقوة فإن الله سبحانه يحب أن يصف عبده هذا بالأعلى لأنه قهر العدو بالقوة فيحق له الاستعلاء في هذه الساعة فقط ولا غيرها {وقد خلت من الظلم} ولذا عندما نقارن علو فرعون الذي ذكرته سورة القصص في أول زمان لبني إسرائيل مع العلو لبني إسرائيل الذي ذكرته سورة الإسراء في آخر زمانهم سنجدهما علوًا متماثلًا في ذات المكان ولكن يفرق بينهما أزمان وعصور طويلة علوًا مبني على الظلم والفساد ذلك بأن كتاب الله الذي نزل على موسى قد تبدل بأيديهم وأن التابوت بما يحمل من ألواح وبقية مما ترك آل موسى وهارون قد ضاع واندثر وأولًا وأخيرًا قد انتهجوا كل ما هو مخالف لشرع الله وبمسمى كل أمر يأتون به هذا من عند الله بادعائهم فأين التمكين الذي وعدهم به الله جلت حكمته وقد أنبأهم الله عز وجل في القرآن العظيم بنهايتهم التي اختاروها كما أنبأهم قديمًا في التوراة قال عز وجل في الإسراء آية (8) {عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرًا} {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا} آية (9) .
فليس أمام بني إسرائيل إن كانوا هم فعلًا أصلًا ونسبًا ودينًا وهيهات هيهات وقد كفروا بكل شيء لم يبقى أمامهم سوى هذا القرآن أن يؤمنوا به ويعملوا به وذلك حتى تكتمل دعائم التمكين لهم فبدون هذا الشرع لَن يتحقق لهم ما وعدوا به وقد وعدوا وكفروا من قبل فاستعمار والأرض لا يعني شرعًا التمكن بها وسبحانه وتعالى جلت قدرته قد أنبأهم في أول الآية (8) بقوله مبتدءًا {عسى ربكم أن يرحمكم} وهذه رحمة الله التي تسبق كل كون فأما إذا عدتم كما هي أفعالكم نعود لننذركم وأن جهنم موعدكم فأين المفر.
والتمكين الثاني الذي وعدت به الأمم كان في الخطاب المباشر الذي خاطب به رب العزة بقوله {الذين آمنوا} وكان هؤلاء يتلقون التنزيل مباشرة من بين يدي رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم ومن قلبه الطاهر ومن لسانه الصادق فكانت آيات سورة الحج وآيات سورة النور تلبي ذلك النداء الإيماني الخالص الذي تنافس به أولئك المنتظرون كلًا بدوره حول رسولهم يتلقون منه ما يأتي الوحي عن ربه يسارعون للتلبية ويسارعون في الخيرات وفي الأعمال الصالحة وما يلاقونه من صد وتعذيب وحتى يصل إلى القتل فلا يبدلون دورهم ولا مواقفهم ولا يتزعزع إيمانهم فكان وعد الله لهم بالتمكين في الأرض ولكن هذا التمكين كما سوف نرى من خلال هاتين السورتين وتحليل الآيات التي وردت بهما عبارات التمكين