من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون.
هذا وعد من رب الأمم إلى الذين آمنوا به وبكتابه وبنبيه وعد يقرؤه كل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها ليل نهار وصبح مساء وفي القائم وفي القائل ويقرؤه كل حافظ وكل مسلم صغيرًا كان أم كبيرًا عربيًا كان أم عجميًا وفي هذا الإيمان المتجدد يتنافس المتنافسون وكل يريد أن يكون هو المغني بأولئك الذين خاطبهم المولى عز وجل في قرآنه المجيد {وعد الله الذين آمنوا منكم} يتنافسون بإيمانهم المتجدد الراسخ في قلوبهم وفي أعمالهم حتى يأخذوا براية الخلافة خلافة الله في الأرض التي وعدهم بها ربهم.
وباعتبار أن الآية الكريمة هذه قد بدأت الوعد بوضع ووصف ميدان المنافسة فيمكن أن نقول أن هذا الميدان هو القوة الأولى الحاضنة كما رأيناها سابقًا في عقد التمكين وهذه القوة هي كما بدأت بها الآية وختمت بها هي اقتران الإيمان قولًا بالعمل الصالح نهجًا وعملًا وقد أوجزتها الآية في نهايتها قوله تعالى: {يعبدونني لا يشركون بي شيئًا} وهذه العبادة هي كما أوردتها الآية (41) من سورة الحج إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإن إركان الإيمان تكمل بالحج والصيام وإن جانب العمل في هذه العبادة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا اكتملت صورة القوة على أكمنل وجه قولًا وفعلًا فإن الله عز وجل يسهل لأي قوم الاستخلاف في الأرض والآية الكريمة (177) من سورة البقرة توجز بشكل حاد هذا الاكتمال بقول الله عز وجل {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} .
ولا عجب إذ رأينا آيات سورة البقرة اعتبارًا من بعد هذه الآية العظيمة (177) إلى نهاية السورة وهي تمر بنا الرويدا آية آية شارحة مفصلة ومبينة معاني كل جزء من هذه الآية (177) وضاربة المثل تلو المثل وتدلل على كيفية الثبات على هذه القوة الحاضنة ولا عجب كذلك إذا رأينا خاتمة السورة بدعاء يعتبر من أشرف الأدعية التي وجب على كل مؤمن من أمة محمد أن يردده ويدعوه في السراء والضراء ليثبت قوة إيمانه في التنافس بميدان القوة الحاضنة هذه.