فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 186

والبصيرة هو العلم بالأمر وبصرت بالشيء علمت به وهي مكملة للتدبر وليست مرادفة له وجاء قول الله عز وجل في سورة طه على لسان السامري (( قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي ) )آية 96.

فهذا السامري قصته من قصة بني اسرائيل فقد عاش السلطانين سلطان فرعون وسلطان النبوة ورأى وازع النبوة والايمان ورأى ضدهما ومع هذا وذاك فلنرى ما اصطفى منهما لنفسه: قال (بصرت) أي رأيت وعملت بمعنى أنه رأى الأثر وعلم ما يفعله ذلك الأثر فتدبر الأمر وقبض قبضه من ذلك الأثر وقبل ذلك كان قد من الله عليه وعلى القوم بسلطان النبوة وليس ذلك فحسب وإنما برؤية ومصاحبة النبي و (مساسه) ، فكيف كان وازعه بعدما قبض قبضة من أثر الرسول وهذه اصطفاءة ما قبلها اصطفاءة قال (( فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي ) )أي اتجه به وازعه إلى واجهة مضادة لدعوة النبوة فعظم ذاته ولم ينكرها وأراد لها طريقا منافسا ومضادا. و ما أحسن التدبر في العاقبة فكان أن اصطفى لنفسه منزلة أسرعت بزواله قال له النبي (( قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ... ) )آية 97.وهذه دعوة نبي مؤؤيدة من مدبر الكون كله.

ومثال السامري: مثال كل إنسان على ظاهر الحياة الدنيا فهو خليفة الله ومثال التدبر والتبصر مثال كل خليفة يمن الله عليه بالسلطان ومثال أثر الرسول مثال كل مُلك أو إمارة أو ربوبية وقبضها يعني تدبرها وتدبرها يعني بما يصطفي لنفسه من وازع يكون أمر زواله.

وعلماء الاجتماع والتاريخ يحاولون بما استجمع لديهم من تدبر وتبصر في تداول الدول والأمم أن يضعوا عدة علامات على الوازع والزوال وعلى مدى ارتباط بعضهما ببعض وهناك فريقان من هؤلاء العلماء فريق يمتلك وازعا دينيا وفريق يمتلك وازعا غير ديني ولا ثالث لهما إطلاقا.

والفريق ذي الوازع الديني يشد بدرجة أو بأخرى على أن الزوال آت لا محال وسواء كان سريعا أم متأخرا وسواء كان عاصفا أم رحيما فبنعمة من الله وأنه أولا وأخيرا شهادة على حكم الله ورضائه وأن وازعه من دعوة حق أي أنه اصطفى وازعا يسير به إلى زوال موازيا لمشيئة الله ولا يعتبر زواله في الحياة الدنيا ذا أهمية بل أن الزوال الحقيقي هو زوال الحياة الدنيا باسرها أي بقيام الساعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت