كما هي عليها بترتيب السور المعروفة ستأخذه مباشرة إلى الحد الفاصل بين كل الصفات الحميدة والفاسدة بإيقاعها العقابي.
ولما كانت الدعوة قد قطعت مسيرة عظيمة في التنور والانتشار في زمن نزول سورة البقرة وقد تعرف الناس على أكثر الصفات الانسانية في السلوك اليومي من حياة الناس فكان من الأنسب أن يتعرفوا على حقائق وأصول هذه الصفات ولا يتم ذلك إلا من خلال العرض الحواري بين الملائكة وبين ربهم الأعلى الذي جاء بإيجازه وإعجازه اللغوي والبياني في سورة البقرة فأجابت الملائكة بقولها تخاطب رب الخلائق بما أعطاها من علم محدود: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء .. ) لقد كشفت الملائكة عن صفات هذا البشر وقدعلمت بها من قبل ان يستلها ويأتي بها في أفعاله (بعد هبوطه على الأرض) ولعل هذا السبق في الإعلان كان لغاية ارادها الله سبحانه لتقرير حالة ما ولا زال الوقت مبكرا في الملأ الأعلى فسفك الدماء ينطوي تحت مفهومه عدة درجات من السلوكيات فهناك الحرب والثأر والقتل المتعمد وقتل الأولاد خششية الفقر ووأد البنات والقتل من أجل المال أو الحكم أو الملك وغيره وهذا كله يندرج تحت ظل الفساد. وسفك الدماء يصف بأنه إحدى حالات الفساد، والملائكة تستغرب خلافة هذا البشر وهو ذاته لذي سيفسد ويقتل حيث عقبت قا ئلة: (نحن نسبح بحمدك ونفدس لك ... ) 30. قارنت الملائكة صفاتها مباشرة ببعض صفات هذا الكائن البشري سيما وأن الملائكة تتمتع بصفات خالصة صافية من بينها التسبيح والتقديس فكتمت أمنيتها بإختيار المولى احداها لخلافة الأرض حيث صفاتها المخلصة (التسبيح والتقديس) وأبدت صفات الفساد والعصيان لدى البشر ولكن عندما أبدت عجزها عن الإحاطة بعلم الله قال لهم ربهم: (ألم أقل لكم أني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) 33
وفوق كل ذلك فإرادة الخالق اصطفت وانتهى المشهد بقوله تعالى:
(اني أعلم ما لا تعلمون) 30 تقرير، وحسم إلهي مباشر بأن هناك صفات أخرى أوجدها في هذا الكا ئن لا يعلمها أحد سواه، (وعلم آد م الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) 31
إذا كيف يتسنى لهذا الخليفة أن يحكم الأرض (بدون معرفة مسبقة) بالأشياء من خوله وبمعرفة من خلقها إنها خصائص من نوع جديد غير تلك الموجودة لدى الملائكة وليست كذلك فحسب بل هي مختلفة كلية وهي ضخمة وثقيلة، ولما علمت الملائكة بأن إرادة الله لا يمكن حصرها ولا