فإبليس وضع الميزان أو المعيار بنوع المادة المخلوق منها فجعل النار (المادة) أفضل وهي الصفة (خير) من الطين (المادة) (فوازعه) لم يتبصر (البعد) أو (الهدف) من وراء أمر السجود للطين (آدم) فما كان منه إلا أن تدبر (فعصى) ولم يسجد، وإذا عقد نا مقارنة بين هذه الكلمات أو (المصطلحات) نجد الآتي:
1 -خلقتني من نار (مادة) = خلقته من طين (مادة)
1 -أنا (وازع) خير (صفة أو خصاصة) = منه (صفاته مجهولة أو غير معلومة)
ونتابع قرائتنا لطرفي المقارنة أو المعادلة التي وضعها إبليس في الملأ الأعلى الذي هو ليس محل سلطانه بل هو محل السلطان الأعظم والمالك الأوحد والخالق الأوحد الله جل جلاله. (وهو يعترف وهويؤمن بذلك كما يقول ويقر(خلقتني) فماذا كانت نتيجة المقارنة أو المعادلة قال له تعالى في سورة الأعراف (قال اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين) آية 13
جاء في معنى تتكبر (الكَبر) بكسر الكاف في الطرق السبعة العظمة والكبرياء مثله وكابرته مكابرة غالبته مغالبة وعاندته.
وكذ لك جاء في معنى (الصاغرين) الصغار الضيم والذل والهوان وقيل عن قهر يصيبهم وذل وقيل يعطونها بأيديهم ولا يتولى غيرهم دفعها فإن ذلك أبلغ في إذلالهم (المصباح المنير) وكذلك خرج منها بصفات لا يجوز ولا يصلح لمن يحملها أن يبقى في ذلك الملأ الصافي المصفى قال تعالى مرة أخرى: (قال اخرج منها مذءوما مدحورا ... ) 18 الأعراف فهو قد حمل صفات سفلى ومرتبة حياة دنيا (حقيرا مبعدا من رحمة الله) والرحمة هنا العيش في الجنة والملأ الأعلى.
إذا فإبليس هو الذي جعل نوع المادة التي خلق منها (النار) خير وأفضل وهو حتما كان في الوقت ذاته لا يعرف أو هو يجهل جهلا تاما إن كانت النار كمادة أو كنوع أفضل أو خير بصفاتها الظاهرية من تلك المادة (الطين) التي خلق منها ذلك الانسان (آدم) والتي يجهل كذلك ولا يعلم أدنى علم صفات هذه المادة أو نوعها وهذا هو (الفخ) الذي وقع فيه إبليس وسبب له (الصغر والدحر)
فإذا جعلنا ذات المقارنة بشكلها التفاضلي المادي والظاهري ما بين الملائكة الآخرين وبين هذا الإنسان ونجد وقائع هذا التفاضل بشكله [الدرامي] وتفاصيله ونتائجه تسير على منحى واحد من المنحيين السابقين كما ذكرنا