منهم من ذمّها بكثرة الأمراض والأوبئة والحشرات، ومنهم من أثنى على لطيف هوائها وغنى بساتينها وبياض ورودها حتى أصبحت أمنية الأنبياء ومرتع قلوب الشعراء. وقد تمنى ابو النواس في أشعاره بأن يكون حظه من الدنيا نصيبين. وربما يرجع ذلك إلى الخلط بين موقعين: هناك أكثر من موقع يسمى نصيبين (تل نصيبين) من نواحي حلب، ونصيبين الروم على شاطئ الفرات شمال حران.
الحروب المتتالية بين الفرس والروم، أبقت على خراب كثير من الحواضر والمدن الفراتية. وعندما نظّم الروم صفوفهم تحت راية فكرية جديدة، هي المسيحية، ترك ذلك وقعًا وصدى إيجابيًا في نفس سابور ابن أزدشير الامبراطور الفارسي. وأثناء مفاوضات مع ملك الروم خاطبه قائلا":"أنكم خرّبتم بلادنا وأفسدتم فيها، فأما أن تعطونا قيمة ما أهلكتم، وأما أن تعوضونا"نصيبين".وقد حصل الفرس على نصيبين ورضوا بها كتعويض عما أنزله الروم من خسائر. ولم يرض الفرس أن يبقى في نصيبين أي ساكن من الروم أو أعوانهم، بل أخرجوهم منها وشرّدوهم ليجعلوا منها خط الدفاع الأول عن الامبراطورية، ونقلوا إليها حوالي اثني عشر ألف بيتًا من العرب الذين مان الروم قد أخرجوهم منها. واتخذوها قاعدة لمنطقة"بيت عرباي"او أرض العرب، وهو الاسم الذي أطلقه السريان على ديار ربيعة الممتدة من بيت"بازيدي"قرب جزيرة ابن عمر شرقا"الى بلد ونصيبين غربا".ومن طور عبدين شمالا"الى جبال سنجار جنوبا".
كانت مدينة مرتبطة بطريق مهم يصلها بالرها وحدياب (أربيل) وأرمينيا باتجاه الشرق، وسنجار والحضر في الجنوب الشرقي، وميسان في الخليج العربي والهند في الجنوب، ومنبيج والشام إلى الغرب، وتدمر إلى الشرق.
وأصبحت نصيبين"هدفا"لكل المقاومين لسلطان العرب والإسلام منذ أيام رسول الله صلاو وسلام عليه .. فكثرت فيها الثورات، وأصبحت ملجأ للناقمين على خلافة أبي بكر المركزية في المدينة المنورة، ذلك أن سكان الجزيرة ظلوا على المسيحية اليعقوبية، لكن الاسلام فرض عليهم الجزية، التي أحرجت وجهائهم فامتنعوا عن دفع الجزية، ومنعوا خروج أموال الصدقات من المسلمين إلى بيت المال في المدينة المنورة، وقرر من اعتنق الإسلام منهم ـ خضوعًا ـ توزيعها في مكانها على الفقراء. وبذلك أوقعوا الخلل في أمر