وجميع التيارات الفكرية المعارضة باسم مكافحة الزندقة، حتى سمي (قصاب الزنادقة) .وقد أنشأ من أجل ذلك (ديوان الزنادقة) بقيادة (عريف الزنادقة) .وكان اتباع المانوية يجبرون على المثول أمام القاضي، ثم يبصق المتهم على صورة (ماني) ويذبح طائرًا، ذلك لأن المانوية تحرم ذبح الحيوان. وفي حالة رفضه التوبة فإنه يحكم بالموت. وقد اوصى المهدي ولده الهادي طالبًا منه الاستمرار في محاربة المانوية، قائلًا: ? إني رأيت جدك العباس في المنام قلدني سيفين وأمرني بقتل أصحاب الاثنين ?.وفي أواخر العهد العباسي توسعت تهمة (الزندقة) حتى وصلت على يد الإمام الغزالي الى كل محاولة اجتهادية تخالف المذاهب السلفية وتنحرف عنها في التفسير (راجع فاروق عمر - المصدر نفسه) .واستمر الاضطهاد وتعاظم مع الخليفة (المقتدر) (908 - 932) ، وحسب (فهرست ابن النديم) ، أنه في أواخر القرن العاشر الميلادي، قد هبط عدد رموز المانوية في بغداد من 300 شخص إلى 5 أشخاص فقط. بسبب اضطهاد العباسيين اضطر الكثير من اتباع المانوية إلى الهروب من العراق إلى خراسان وكردستان وتركستان (ربما يكون اليزيديون في شمال العرق من بقايا المانوية الذين هربوا من اضطهاد العباسيين) .
من الخصال الكبيرة التي تميز بها الاسلام والمسلمون الأوائل هي القدرة على استيعاب معارف ومعتقدات الشعوب التي بدأ ينتشر بينها الاسلام. فمن المعروف أن الحضارة العربية الإسلامية بنت عظمتها من انفتاحها أولًا على تراث الشعوب التي أسلمت واستعربت، خصوصًا حضارات بلاد الرافدين والشام ومصر وشمال أفريقيا. ففي العراق مثلًا، بالإضافة إلى تراث المسيحية النسطورية والصابئية واليهودية، لعبت المانوية دورًا كبيرًا في نقل الكثير من المعتقدات البابلية والعرفانية الصوفية إلى الحضارة العربية الإسلامية. يكفي ملاحظة التشابه الكبير بين الفلسفات الإشراقية والصوفية العربية الاسلامية وبين المانوية، ليس صدفة أن التصوف نشأ في حواضر العراق، البصرة والكوفة وبغداد، لأن الكثير من اتباع المانوية الذين تحولوا إلى الاسلام نقلوا معهم معتقداتهم الإشراقية والصوفية البابلية ومزجوها بالإسلام. طبعًا هذا لا ينفي التأثيرات المباشرة للمسيحية والعرفانية الشامية المصرية، بالإضافة إلى المجوسية الإيرانية والأفكار اليونانية. ومن التشابهات الواضحة بين المانوية والإسلام، أن (ماني) ادعى أنه النبي المخلص الذي بشر به المسيح وأنه (خاتم الأنبياء) .بالإضافة إلى تشابهات أخرى مثل تحريم الخمر، والصيام 30 يومًا، والوضوء بالماء أو التراب، والركوع أثناء الصلاة، وتفاصيل وصف الجنة والنار ويوم القيامة والحساب وعبور الصراط المستقيم. كذلك وجوب مساهمة أتباع المانوية (السماعين) بدفع جزء من أموالهم (عشر) و (زكاة) لرجال المانويين (الصديقين) .