كم هي بليغة فعلا تلك الحكمة القائلة بأن «العفو عند المقدرة من شيم الكرام .. لكن هذا الفول لا ينطبق مطلقة على اليهود التلموديين، أبالسة الجحيم، والأفاعي الرقطاء التي تنتهز أية فرصة ملائمة للغدر والانقضاض .. فمنذ فجر التاريخ، وللحروب أعراف وتقاليد يحترمها المتقاتلون، ويعملون بمقتضاها، وإن كانت تتبدل من حين لأخر، ولكنها تظل أبدأ ضمن نطاق المثل العليا، وتدور دائما حول محور الشرف والرجولة. ولذا كان المفروض بالمنتصر الذي استعمل أثناء المعركة أشد أنواع البطش والوحشية، أن يعمد بعدها الى التعالي عن الصغائر ويتصف بالحلم والشهامة، وأن بعف عن خصمه المغلوب ويرد عنه كل منكر. والتاريخ يحفل بالأحاديث الشيقة التي تروي لنا مدى ما كان عليه أبطال العصور الغابرة من النبل والرجولة، ومنها مواقف الفراعنة الكريمة من أعدائهم بعد النصر، اذ كانوا يعاملونهم أكرم معاملة، ويجلونهم عن الذل والمسكنة، تقديرا لما أظهروه من البطولات في المعركة، ومنها أيضا مواقف أبطال الفرس واليونان والرومان على من تغلبوا عليهم. هذه المواقف التي كانت تبلغ حد إعادة الملك المغلوب الى عرشه، والقائد المهزوم الى قيادته. اذ كان المفهوم السائد آنذاك هو اکرام البطل الشجاع إن غالبا أو مغلوبا. أما ما يرويه التاريخ عن النبي محمد في هذا المضمار نهو من أروع الأمثال في كل ما قيل وسيقال عن مواقف الشهامة والشرف، وخصوصا مع اليهود الذين خانوا عهده مرارة، وكذلك مع عدوه أبي سفيان عند انتصاره على قريش، ما كان إلا ليذكر الناس بأن لا انتقام ولا تشفى عند الاستسلام. أما صرخة عمر بن الخطاب التي أطلقها في وجه قواده