فهرس الكتاب

الصفحة 2701 من 3219

بنا نستولي على طريق الهند البرية، تلك الطريق التي ينبغي أن تكون تحت سيطرة من ينبغي أن تكون له. تحت سيطرة الشعب الألماني الذي يبتهج بالحرب ويفرح في الكفاح» (19) .

ومجمل القول إن بلاد الشام كانت تتعرض لاستعمار اقتصادي، وتسرب الأموال الأوروبية إليها، لا سيما الفرنسية والبريطانية والألمانية، وكان سباسيو و اقتصاديو الدول الأوروبية قد استغلوا حركة الاستغراب - أي الأخذ من الثقافة الأوروبية - التي قام بها والي مصر محمد علي باشا، وزاد هذا الاستغلال بعد صلح باريس عام 1809، حين تأسست المصارف والبيوتات المالية في مدن الشام الرئيسية. وشهدت بلاد الشام سي هائلا من بعثات التبشير والبعثات المستغلة لحركة التبشير، وقد لعبت هذه البعثات دورا سياسية أكثر منه دينية. وكان ذلك مظهرا من مظاهر التنافس الدولي على المنطقة يتخذ حينا شكل الدين، وحينا آخر شكل المساعدة ولكن جوهر المنافسة كان عسكرية وسياسية واقتصادية، حتى اضطرت البعثات الأمريكية والإنجليزية إلى إبرام اتفاق بينها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر - 1801 - لاقتسام مناطق العمل، فتخصص الإنكليز في فلسطين، بينما ركز الأمريكيون جهودهم على لبنان. والواقع أن صلح باريس عام 1809 كان فاتحة لتحويل الدولة العثمانية وممتلكاتها العربية إلى شبه مستعمرة للرأسمال الأجنبي (17) .

ومما يجدر ذكره في هذا المجال، أن النصف الأول من القرن التاسع عشر تميز بعملية التوسع التجاري بين أوروبا والدولة العثمانية، فيما يتعلق بالمنطقة العربية على وجه الخصوص. وقد تضاعفت التجارة الأوروبية مع تركيا ثلاث مرات من الثلاثينات إلى الأربعينات، وبداية تشكيل مصر سوقا مهمة لأوروبا منذ أواخر الأربعينات وبدء التجارة مع سوريا منذ الثلاثينات، مع تحقيق بريطانيا الحصة الأساسية من مغانم هذا التوسع. كما ظهرت معالم الدعم المؤسسي لتوسع التجارة في خلق وسطاء محليين للتجارة الأوروبية، وفي تطوير المواصلات البحرية، وفي استبدال المجالس المشكلة من تجار محليين والاستعاضة عنها بمحاكم مختلطة تشمل تمثيلا أوروبية أقوى المعالجة القضايا التجارية العالقة ... وفي عقد اتفاقات تجارية بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية لصالح هذه الأخيرة (18) . وكان لهذه المعاهدات التجارية أثرها الكبير وانعكاساتها الخطيرة على مجمل الاقتصاد العثماني، وعرقلة مسيرته التطورية على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت