وأما المتصل في الأفعال فثابت لكثرة أفعاله تعالى. قوله: (فردان) اقتصر على نفي الفردين كما قال الله تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} [النحل: 51] فيعلم نفي ما زاد كالثلاثة بطريق الأولى وكفرت المجوس بقولهم: إله الخير وسموه أزدان بهمزة أوله أو ياء مثناة تحتية ويعبرون عنه بالنور ومن أجله استداموا وقود النار مشاكلة للنور وعبدوها قال الشاعر في وصف الخمرة:
وبت منها أرى النار التي سجدت…لها المجوس من الإبريق تسجد لي
وإله الشر أهر من بفتح الهمزة وسكون الهاء وفتح الراء والميم آخره نون كذا رأيته مضبوطا بالقلم في شرحي المواقف والمقاصد، وفي كتاب الصحائف للشمس السمرقندي وكل منها يظن به الصحة وعنوا بذلك الشيطان ويعبرون عنه بالظلمة. واختلفوا في قدمه وحدوثه زعموا أن إله الخير تفكر لو كان من ينازعني في مملكتي كيف يكون حالي معه فنشأ من تلك الفكرة إله الشر فأبعده وأقصاه وحصل بينهما التضاد فيقال لهم: إن إله الخير عل كلامكم نشأ منه أصل كل شر وبعبارة هذه الفكرة إن كانت خيرا كيف ينشأ عنها رأس كل شر وإن كانت شرا كيف تصدر عن إله الخير. وبالجملة فكلامهم هوس ويقال نجوس بالنون أيضا لأنهم لا يتحاشون عن النجاسات ويقال: مانوية نسبة لكبيرهم ماني وقد لهجت الأدباء في الإشارة لمذهبهم فرد عليهم أبو الطيب بقوله:
…وكم لظلام الليل عندك من يد…تحدث أن المانوية تكذب
…وقاك ردى الأعداء تسري عليهم…وزارك فيه ذو البنان المخضب
ولغيره:
هدى بثناياه وضل بشعره…فكدنا نقول المانوية تصدق
قلت كاد هذا أن يضل بشعره واتفق لي سابقا في الرد عليهم بقولي:
وكم ليلة حيا الحبيب بوصله…وقد سترتنا من دجاها ذوائب
ولما بدا نور الصباح أراعني…فقلت له إن المجوس كواذب
وقلت أيضا:
…وافى الحبيب بليلة…وأزال عنا كل بوس
…وبدا الصباح فراعنا…لا شك في كذب المجوس