التحقق وإلا لزم التأني في فعل الله وذلك شأن الحادث لأنه هو الذي يتخلف مراده زمنا ما بعد أن يريده حتى يعانيه ويتكلفه ويأخذ فيه وذلك على الله تعالى محال بل إرادته وقدرته يتعلقان معا ويوجد الشيء وقت قوله: كن بلا تخلف ولا تأخر في مراده أصلا فليتأمل، فإن هذا توضيح مراده لكن استحالة الأخير ممنوعة فإنه قد يريد التأخير اختيارا ألا ترى أن للإرادة تعلقا تنجيزيا قديما تأخر عنه الحصول بالفعل لأن التأخر هو الوجه المراد فتدبر وجعل تعلق الإيجاد تابعا لتعلق الإرادة نظرا إلى أن التعليل أو الطبع مثلا إيجاب وجود الإيجاد لأن المراد بالإيجاد ما كان فعلا اختياريا فليتأمل.
قوله: (والاختيار) حقيقته تستلزم استواء الأمور بالنسبة إليه بحيث لا غرض له يبعثه لأحدها دون الباقي فإن هذا من معنى الجبر المنافي لكمال الاختيار فهو سبحانه وتعالى الغني على الإطلاق المنزه عن تقلبات الأطوار وتغير الأحوال لم يحدث في ذاته شيء بإحداث العالم وإلا لكان إما نقصا وهو محال أو كمالا فيلزم النقص قبل حصوله وما ورد موهما للبعث أول بالحكمة المترتبة والمصلحة العائدة لنا نحو {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} [الفرقان: 49] {لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] أ] ليسعدوا بعبادتي فإنها رأس النعم كما أن علل الأحكام الشرعية أمارات وعلامات نحو حرم الخمر لإسكارها وفي أول المبحث الخامس من يواقيت الشعراني ما نصه ذكر الشيخ في الباب التاسع والعشرين ومائتين من الفتوحات أنه لا يجوز أن يقال: إن الحق تعالى مفتقر في ظهور أسمائه وصفاته إلى وجود العالم لأن له الغنى على الإطلاق اهـ، إلى أن قال بعد ذلك بكلام كثير: إن الأشياء في حال عدمها كانت مشهودة له تعالى كما هي مشهودة له حال وجودها سواء فهو يدركها سبحانه على ما هي عليه في حقائقها حال وجودها وعدمها بإدراك واحد فلهذا لم يكن إيجاده للأشياء عن فقر بخلاف العبد فإن الحق تعالى ولو أعطاه حرف كن وأراد شيئا ما طلب إلا ما ليس عنده ليكون عنده فافترق الأمران هذا كلامه باختصار وإيضاح وأنشد:
الكل مفتقر ما الكل مستغني ... هذا هو الحق قد قلنا ولا نكني
{إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6] وإنما تفضل بالمظاهر لحكمة تعود على العالم في تعرفهم ومن هنا قال من قال: عرفت الله بالله وما ثم إلا الله وفعله لكن من غلبت عليه الوحدة من كل وجه كان على خطر وفي أثناء المبحث السادس من اليواقيت ما نصه قال في لواقح الأنوار: من كمال العرفان شهود عبد ورب وكل عارف نفى شهود العبد في وقت ما فليس هو بعارف وإنما هو في ذلك الوقت صاحب حال