بأنه: وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات أي أحكام وضعها الله تعالى للعباد باعثة إلى الخير الذاتي
الشرع واللغة. قوله: (إلهي) خرج الوضع البشري كالكتب التي كان الحكماء قديما يؤلفونها في سياسة الرعية وإصلاح المدن فيحكم بها ملوك من لا شرع لهم فإنه وإن كان الخالق لكل الأفعال هو الله تعالى إلا أن البشر لهم في هذه تكسب. إن قلت حينئذ أحكام الفقه الاجتهاجية ليست من الدين إنما منه ما ورد نصا لا خلاف فيه. قلت: هي من الدين قطعا، وهي موضوع إلهي غاية الأمر أنه مخفي علينا والمجتهد يعاني إظهارها والاستدلال عليها بقواعد الشرع ولا مدخل له في وضعها. قوله: (سائق) قال الجماعة: خرج به غير السائق كإمطار المطر وإنبات النبات، قلنا: هذا سائق لصلاح المعاش أي أنه سبب فيه كما أن الأحكام سبب للسعادة الأبدية وفي مناقشة شيخنا للشارح في صناعة الفلاحة عند قوله بالذات ما يفيده فالأحسن التمثيل لغير السائق بالأوضاع الإلهية التي لا اطلاع لنا عليها كما تحت الارضين وما فوق السماء، فإن ما لا نعرفه لا يسوقنا لشيء.
قوله: (لذوي العقول) خرج الإلهامات السائقة للحيوان الغير العاقل. قوله: (باختيارهم) خرج القهري كالألم السائق للأنين رغما وفيه أنه لا يلزم من هذا الوضع الهداية إذ قد يتخلف هذا الاختيار عمن أراد الله إضلاله ولا ينقص ذلك أجر الرسول المرسل به، قال الشعراني في كتابه (( اليواقيت والجواهر في السمعيات ) )أواخر المبحث الثالث والثلاثين في بيان بداية النبوة والرسالة والفرق بينهما ما نصه: فإن قلت: فهل للرسول أجر إذا رد قومه رسالته ولم يقبلوها منه؟ فالجواب: نعم للرسول أجر في ذلك كما يؤجر المصاب فيمن يعز عليه فللرسول أجر بعدد من رد رسالته من أمته بلغوا من العدد ما بلغوا كما أن الذي يعمل بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤمن به له مثل أجر جميع من اتبع الرسل لاستجماع الشرائع كلها في شرع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اهـ، وهو حسن منبه على عظم أجر الرسل. قوله: (المحمود) بالنصب معمول للمصدر وبالجر صفة له متى كان الاختيار محمودا لا يسوق إلا إلى خير، فقوله: إلى ما هو خير لهم ذكره توصلا لقوله: بالذات والخير بالذات هو السعادة الأبدية خرجت الأوضاع الإلهية السائقة لمجرد صلاح الدنيا كملكات الصنائع المخلوقة في الإنسان. قوله: (أي أحكام) إشارة إلى أن الوضع بمعنى الموضوع مجازا مرسلا لأن المصدر جزء مفهوم المفعول ولا يكفي أن العلاقة التعلق وإن اشتهر في هذا لما أن مطلقه عام في جميع العلاقات ودخل المجاز التعريف لشهرته. قوله: (وضعها الله) أي جددها وأثبتها بعد عدم ولا نقل أوجدها لأن مرادنا بها