مع بقاء الاختيار تحقيقا للابتلاء (وخص خير الخلق) أي خص الله أفضلهم وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن سائرهم بما لا ينحصر حدا ولا عدا ولكن المهم منه
(أن قد تمما به الجميع ربنا)
أي ختم ربنا بنبوته جميع الأنبياء قال تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] ويلزم منه ختم المرسلين أيضا لأن ختم الأعم ختم للأخص من غير عكس، فلا تبتدأ نبوة ولا شريعة بعده صلى الله عليه وسلم (وعمما) أي وخص أيضا بأن ربنا عمما (بعثته) صلى الله عليه وسلم في الزمان والمكان فأرسله إلى جميع المكلفين من الإنس والجن إجماعا ويأجوج ومأجوج والملائكة وجميع الأنبياء والأمم السابقة لدخول الجميع تحت
قوله: (تحقيقا للابتلاء) علة لبقاء الاختيار والمراد ابتلاء التكليف. واعلم أن المشهور عصمة الملائكة مطلقا وهاروت وماروت قيل: رجلان سميا ملكين تشبيها أو أنهما أرسلا فتنة ولم يصح فيهما عصيان وعذاب وقولهم: (( أتجعل فيها من يفسد فيها ) )ليس غيبة لمعين ولا اعتراض بل مجرد استفهام ووقع في كلام ابن عربي على ما في اليواقيت عدم عصمة ملائكة الأرض وسماء الدنيا. وحاصل كلام السعد أنه لا قاطع في المسألة. قوله: (حدا) أراد به مقدار الشرف. قوله: (تمما به الجميع) كما هو شأن الأعظم في الشيء كالماء للبئر وأنشدوا:
نعم ما قال سادة الأول ... أول الفكر آخر العمل
وإشارة إلى أن فائدة غيره عند عدمه وبعده لا يحتاج لغيره كما قال البوصيري:
فإنه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس في الظلم
حتى إذا ظهرت في الأفق عم هدا ... ها العالمين وأحيت سائر الأمم
قوله: (فلا تبتدأ) احتراز عن عيسى فليس كأنبياء بني إسرائيل بعد موسى فإنهم ابتدئت نبوتهم بعده وإرسال موسى مقيد بحياته فهم مستقلون، وأما عيسى بعد محمد فكأحد المجتهدين بالقرآن لأنذركم به ومن بلغ. قوله: (والملائكة) وقيل: تشريف وعلى أنه تكليف فهل بغير هذه الأحكام لما ورد منهم الساجد لا يرفع رأسه أو يخص نحو هذا بغير أوقات الصلاة يحتاج كل ذلك لتوقف وقد بسط المصنف هنا في شرحه فانظره إن شئت. قوله: (وجميع الأنبياء) أي في الغيب فهم نوابه في الظاهر، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} [آل عمران: 81] الآية. وقيل: بل هذا عهد لكل باعتبار